Featuredأخبار محلية

فرنسا في لبنان: دورٌ قائم رغم أزمتها الداخلية… وسقفٌ تحدّده واشنطن

“أخبار اليوم”

في ختام جولته الخليجية، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من الدوحة أن بلاده ستعقد مؤتمراً دولياً لدعم الجيش اللبناني، على أن يُعقد بعد الانتخابات التشريعية في إسرائيل لأن ذلك “أكثر جدوى”. وأكد أن فرنسا ستنسّق جهود المجتمع الدولي في هذا الاتجاه، معتبراً أن الجيش يتحمل المسؤولية الأساسية في استعادة سيادة الدولة. ووصف الوضع في لبنان بأنه “غير محتمل” بفعل الضغوط وتقويض السيادة، محدداً أهداف بلاده بضمان سيادة لبنان واستقراره ونزع سلاح حزب الله. كما شدد على ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بالتوازي مع آليات لبناء الثقة وتنسيق عملية الانسحاب، وأبدى استعداد فرنسا للمساهمة في ذلك إلى جانب دول إقليمية مثل قطر.

يأتي هذا الحراك الباريسي فيما تواجه فرنسا أزمة داخلية حادة، تتمثل في احتجاجات شعبية ضد غلاء المعيشة ودَين عام تجاوز 3.6 تريليون يورو. ما يطرح سؤالاً: هل ما زال بإمكانها لعب دور في لبنان، وهل عليها معالجة مشاكلها الداخلية أولاً؟

🔴 دور رغم الازمات

في الواقع، وبحسب مصدر ديبلوماسي، ما زالت فرنسا قادرة على لعب دور محوري في لبنان، لكن طبيعة هذا الدور تغيّرت: فقد انتقل من “راعٍ مباشر وصانع للقرار” إلى “ميسِّر دبلوماسي وضامن دولي”. وهو دور يحتفظ بفاعليته، لكنه يظل محكوماً بسقف أميركي لا تستطيع باريس تجاوزه.

وهنا يحدد المصدر مقومات الدور الفرنسي، بخمسة نقاط اساسية:

أولا، القبول المتبادل والوساطة المرنة: تكاد فرنسا تكون الطرف الدولي الرئيسي الوحيد القادر على التواصل مع جميع المكونات اللبنانية دون استثناء، فبينما تقاطع واشنطن أطرافاً تصنّفتها خصوماً أو أرهاباً، تُبقي باريس قنواتها مفتوحة مع الجميع، ما يجعلها وسيطاً مقبولاً لدى مختلف الأطراف المحلية.

ثانيا، الثقل المؤسسي الدولي: تمنحها العضوية الدائمة في مجلس الأمن القدرة على صياغة القرارات المتعلقة بلبنان وحماية ركائز القرار 1701، وإبقاء الملف على الأجندة الدولية، كما تتفوق في الديبلوماسية المتعددة الأطراف، من خلال تنظيم مؤتمرات المانحين ومؤتمرات دعم الجيش وحشد التمويل الإنساني والمالي.

ثالثا، الانخراط الأمني والميداني: تُعد فرنسا من أبرز المساهمين في قوات “اليونيفيل”، ومع اقتراب انتهاء تفويض القوة، تقود بالتنسيق مع إيطاليا مشاورات لإنشاء قوة متعددة الجنسيات بديلة تمنع حدوث فراغ عسكري في الجنوب.

رابعا، القوة الناعمة: يمتد الحضور الفرنسي إلى النسيج اليومي للمجتمع اللبناني عبر شبكات المدارس والجامعات الفرانكوفونية والمراكز الثقافية، إضافة إلى دعم قطاعات الصحة والقضاء والحوكمة الإدارية والتعليم، الامر الذي يمنحها شرعية في الوساطة والتدخل تفتقر إليها قوى دولية أخرى.

خامسا، الحضور الاقتصادي الاستراتيجي: تقود “توتال إنيرجيز” تحالفات التنقيب عن الطاقة في البحر، وتدير “CMA CGM” محطتي الحاويات في مرفأي بيروت وطرابلس. وهذا يربط المصالح الاقتصادية لباريس مباشرة بأمن البنية التحتية اللبنانية واستقرارها.

🔴”المنسّق والمحفّز”
وفي مقابل هذه المقومات التي يمكن وصفهل بـ”الايجابية”، يتحدث المصدر عينه عن القيود تحدّ من فاعلية الدور الفرنسي، لا سيما في ظل تراجع القدرة المالية المستقلة، اذ في ظل التقشف وعجز الموازنة، لم تعد باريس قادرة على تقديم مساعدات ضخمة من ميزانيتها الخاصة، ويابتالي اصبح دورها أقرب إلى “المنسّق والمحفّز” للدعم الدولي والعربي، عبر قطر ودول الخليج والاتحاد الأوروبي، قائلا: تنجح مبادراتها لدعم الجيش تحديداً حين تفسح واشنطن المجال لهؤلاء الشركاء للمشاركة في التمويل والتسليح.

هذا اضافة الى غياب أدوات القوة الصلبة، بمعنى ان فرنسا تمتلك القدرة على صياغة الأفكار والحلول السياسية، لكنها تفتقر إلى أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية لفرضها ميدانياً، وبالتالي فإن نجاح أي مسار، كنزع سلاح المجموعات المسلحة أو بسط سيادة الدولة، يستلزم التلويح بالعقوبات أو استخدام النفوذ المالي، وهي أوراق تحتكرها الولايات المتحدة بحكم موقعها في النظام المالي العالمي ومؤسسات الإقراض الدولية كصندوق النقد.

🔴 دعم اميركي

وردا على سؤال حول الحاجة إلى الغطاء الأميركي؟ يجيب المصدر عينه: لا يمكن للدبلوماسية الفرنسية تحقيق تقدم جوهري ومستدام دون دعم أميركي، ولو غير مباشر، أو دون تقاطع واضح في المصالح مع واشنطن، وذلك لثلاثة أسباب:

– الترتيبات الأمنية في الجنوب: تصوغ فرنسا المقترحات وتنظّم المؤتمرات، لكن المفاوضات الفعلية والاتفاقيات الأمنية الكبرى تمر عبر القنوات الأميركية. وقد أشار السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إلى أن بلاده “تنسّق مع فرنسا وإسرائيل ولبنان حول أشكال حفظ السلام المرتقبة”، ما يعني – بحسب المصدر- أن أي صيغة فرنسية أو أوروبية تبقى رهن الغطاء السياسي لإدارة تملك وحدها القدرة على الضغط على إسرائيل.

– الفيتو غير المعلن: كلما تحركت فرنسا بمعزل عن الرؤية الأميركية، اصطدمت باعتراض يُجهض مبادراتها أو يفرغها من مضمونها.

– تباين المقاربتين: تنظر واشنطن إلى لبنان كجزء من الصراع الإقليمي الأوسع والمواجهة مع إيران، بينما تميل باريس إلى المرونة والواقعية السياسية. ولذلك لا تستطيع الأخيرة تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية.

🔴 تكامل اضطراري

وفي الخلاصة يصف المصدر الديبلوماسي العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة بـ “تكامل اضطراري”، حيث تحتاج واشنطن إلى باريس بوصفها وجهاً دبلوماسياً مقبولاً وقناة اتصال مرنة مع كل الأطراف اللبنانية لتمرير طروحاتها، وتحتاج باريس إلى واشنطن بوصفها “المطرقة الثقيلة” التي تمنح الطروحات الفرنسية القوة والنفاذ.
وعليه، يختم المصدر: فرنسا لم تفقد قدرتها على التأثير، لكن أي تقدم فرنسي معزول عن الضوء الأخضر الأميركي مصيره الفشل أو المراوحة.
وتبقى قيمة الدور الفرنسي الأساسية في توفير شبكة أمان دولية للمؤسسات اللبنانية، مستنداً إلى تقاطع مصالحه مع القوى الإقليمية الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |