Featuredأخبار محلية

من فتال إلى معوض… لبنان وإسرائيل يعودان إلى التفاوض بعد 43 عامًا

في تطور يُعدّ مفصليًا في مسار الصراع اللبناني–الإسرائيلي، عاد الطرفان إلى طاولة المفاوضات المباشرة بعد 43 عامًا من الانقطاع، في خطوة تعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخ لبنان السياسي، وتفتح بابًا تفاوضيًا جديدًا تحت وقع حرب مستمرة في الجنوب.

فعبارة “بعد 43 عامًا” تعود إلى آخر تجربة تفاوضية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي تمثّلت باتفاق 17 أيار عام 1983، الذي وُصف حينها كمشروع اتفاق سلام جرى التوصل إليه برعاية أميركية، في ظل ظروف استثنائية أعقبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت.

ذلك الاتفاق لم يولد من فراغ، بل سبقه مسار تفاوضي انطلق أواخر عام 1982 في بلدة خلدة الساحلية، حيث عُقدت جلسات مباشرة بين الجانبين برعاية أميركية. ومثّل إسرائيل في تلك المحادثات ديفيد كيمحي، أحد أبرز مسؤولي “الموساد”، فيما ترأس الوفد اللبناني الدبلوماسي أنطوان فتال، بإشراف غير مباشر من وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز عبر مبعوثه موريس درابر .

ونصّ الاتفاق على إلغاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال فترة تتراوح بين 8 و12 أسبوعًا، مقابل ترتيبات أمنية على الحدود، شملت إنشاء منطقة أمنية داخل لبنان، وتشكيل لجان مشتركة بإشراف أميركي لمتابعة التنفيذ .

كما تضمّن بنودًا تنص على اعتراف متبادل بحق كل من لبنان وإسرائيل في العيش بسلام، مع فتح الباب أمام إنشاء مكاتب اتصال بين الطرفين، دون الوصول إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الكاملة، في محاولة لتحقيق توازن بين الضغوط الدولية والحساسيات الداخلية .

غير أن هذا المسار اصطدم سريعًا بواقع لبناني منقسم، حيث واجه الاتفاق رفضًا شعبيًا وسياسيًا واسعًا، خصوصًا من قوى مدعومة من سوريا، التي اعتبرت الاتفاق “اتفاق إذعان”. وتشكلت جبهة معارضة ضمت شخصيات بارزة مثل نبيه بري ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية، ما أدى إلى تصعيد داخلي واسع .

هذا الانقسام لم يبقَ في الإطار السياسي، بل ترجم ميدانيًا عبر أحداث مفصلية، أبرزها انتفاضة 6 شباط 1984، وحرب الجبل، إلى جانب تصاعد العمليات الأمنية الكبرى، ومنها تفجير مقر المارينز الأميركي في بيروت، ما أدخل البلاد في مرحلة أكثر اضطرابًا وأفقد الاتفاق أي فرصة للاستمرار .

وفي ظل هذا المشهد، ومع تعذّر تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض، أُسقط عمليًا عام 1984، قبل أن يُعلن الرئيس أمين الجميّل إلغاءه رسميًا في 5 آذار من العام نفسه، في خطوة عكست حجم الضغوط الداخلية والإقليمية التي أحاطت به .

ومنذ ذلك التاريخ، لم تشهد العلاقات اللبنانية–الإسرائيلية أي مفاوضات مباشرة وعلنية بهذا المستوى، واقتصر التواصل على قنوات غير مباشرة، كما حصل في تفاهم نيسان عام 1996، أو في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية عام 2022 بوساطة أميركية.

اليوم، ومع انطلاق المحادثات في واشنطن، يعود هذا النمط من اللقاءات إلى الواجهة، لكن في سياق مختلف تمامًا، حيث لا تأتي المفاوضات بعد حرب انتهت، بل في خضم مواجهة مستمرة، وفي ظل تصعيد عسكري يومي في جنوب لبنان.

وبحسب المعطيات، فإن هذه الجولة تُصنّف كـ”جلسة تأسيسية” تهدف إلى وضع إطار عام للمفاوضات، وسط تمسك لبناني واضح بوقف إطلاق النار كمدخل لأي تقدم، مقابل توجه إسرائيلي للاستمرار في التفاوض بالتوازي مع العمليات العسكرية.

في المحصلة، تعكس العودة إلى طاولة المفاوضات بعد 43 عامًا تحوّلًا فرضته الوقائع الميدانية والضغوط الدولية، لكنها في الوقت نفسه تعيد فتح صفحة من تاريخ لبناني معقّد، كان عنوانه اتفاق 17 أيار، الذي سقط تحت ضغط الداخل والخارج.

فهل تتكرر التجربة بكل ما حملته من انقسامات وإخفاقات؟ أم أن موازين القوى والتحولات الإقليمية والدولية نجحت هذه المرة في فرض مسار مختلف؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى