“هدوء حذر” سياسياً واشتعال ميداني: التفاوض تحت القصف

في لحظةٍ إقليميّةٍ مشدودة بين هدنةٍ لا تعمل، وحربٍ تتوسّع، ومفاوضات تحت القصف، يدخل لبنان جولة واشنطن الثّالثة مثقلاً بثلاثة ألغامٍ كبرى: استمرار العدوان الإسرائيليّ على الجنوب، السّعي الأميركيّ لتحويل التّرتيبات الأمنيّة إلى مسار “سلامٍ وأمنٍ شامل”، وسؤال السّلاح الّذي يعود إلى قلب النّقاش الدّاخليّ والخارجيّ. وبينما يرفع “حزب الله” وتيرة هجماته بالمسيّرات والقصف المدفعيّ، تُدخل إسرائيل أدوات قتاليّة أكثر تطوّرًا إلى وحداتها الحدوديّة، في مشهدٍ يؤكّد أنّ التّفاوض لم يوقف الحرب، بل فتح جبهةً سياسيّةً موازيةً لها.
جنوبٌ يشتعل وهدنةٌ بلا مفعول
على إيقاع التّقلّبات الإقليميّة والمدّ والجزر التّفاوضيّ، تعمل الجبهة اللّبنانيّة كترجمة لما يجري في المنطقة والإقليم. فبرغم الهدوء الحذر الّذي يخيّم على السّياسة الدّاخليّة، يتواصل التّصعيد الميدانيّ في جنوب لبنان منذ ساعات الفجر، مع تكثيف الغارات الإسرائيليّة وعمليّات القصف، بالتّزامن مع إعلان “حزب الله” تنفيذ سلسلة هجماتٍ استهدفت مواقع وآليّاتٍ للجيش الإسرائيليّ في الخيام ودير سريان.
وأعلن الحزب استهداف قياديٍّ في الجيش الإسرائيليّ داخل مدينة الخيام بمحلّقتَين انقضاضيّتَين، مؤكّدًا تحقيق إصاباتٍ مباشرة، قبل أن يعلن لاحقًا استهداف مقرٍّ قياديٍّ في المدينة نفسها بالطّريقة عينها. كذلك، أعلن استهداف جرّافةٍ إسرائيليّة من نوع “D9” في خلّة راج ببلدة دير سريان، إضافةً إلى قصف تجمّع آليّاتٍ إسرائيليّة قرب بلديّة الخيام بقذائف المدفعيّة.
في المقابل، واصل الطّيران الحربيّ الإسرائيليّ غاراته على عددٍ من البلدات الجنوبيّة، فاستهدف يحمر الشّقيف، والقطراني، وبلاط، وجبشيت، وشقرا، وصفد البطيخ، وصريفا، فيما تعرّضت تولين والصّوانة في قضاء مرجعيون لقصفٍ مدفعيّ. وهكذا، تبدو الهدنة المعلنة أميركيًّا منذ 17 نيسان/أبريل الماضي أقرب إلى نصٍّ سياسيٍّ غير قابلٍ للتّطبيق الميدانيّ.
إسرائيل تطوّر أدواتها ضدّ المسيّرات
في موازاة التّصعيد، أدخل الجيش الإسرائيليّ، خلال الأيّام الأخيرة، مئاتٍ من مناظير التّصويب الذّكيّة من طراز “Dagger” إلى وحداته العاملة في لبنان، في خطوةٍ تهدف إلى تحسين قدرة الجنود على استهداف الطّائرات المسيّرة التّابعة لـ”حزب الله”.
ونقلت هيئة البثّ الإسرائيليّة عن مسؤولين في القوّات البرّيّة قولهم إنّ هذه المناظير وُزّعت على أسلحةٍ فرديّة، ضمن مسعى لتعزيز دقّة إطلاق النّار على الأهداف الجوّيّة الصّغيرة والمتحرّكة. ولا تُعدّ مناظير “Dagger” جديدةً في الجيش الإسرائيليّ، إلّا أنّ توزيعها كان يقتصر سابقًا على أعدادٍ محدودة، ولا سيّما لدى وحدات المشاة.
ويُعدّ “Dagger” نظامًا كهرضوئيًّا متقدّمًا، يضمّ كاميرا رقميّة، وشاشةً مخصّصة للمقاتل، ونظامًا للتحكّم بإطلاق النّار، وحاسوبًا بالستيًّا يرفع دقّة التّصويب، خصوصًا ضدّ الأهداف المتحرّكة وفي ساعات اللّيل. كما يستطيع المنظار تثبيت الهدف ومنح الجندي إشارةً تحدّد اللّحظة المناسبة للضّغط على الزّناد.
وتتزامن هذه الخطوة مع استعداد إسرائيل لتسلّم ذخائر شظايا من الولايات المتّحدة، صُمّمت خصّيصًا لزيادة فرص إصابة المسيّرات، ما يعني أنّ المواجهة الجنوبيّة دخلت مرحلة سباقٍ تقنيٍّ بين مسيّرات الحزب وأدوات إسرائيل المضادّة لها.
واشنطن بين وقف النّار وشروط السّلام
سياسيًّا، يستعدّ لبنان للجولة الثّالثة من المحادثات اللّبنانيّة، الإسرائيليّة المباشرة، برعايةٍ أميركيّة، والمقرّر عقدها في وزارة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن يومَي 14 و15 أيّار، قبل الموعد المحدّد لانتهاء وقف إطلاق النّار في السّابع عشر من الشّهر الجاري.
غير أنّ إسرائيل رفضت مطلب لبنان بوقف الحرب شرطًا لانطلاق الجولة الثّالثة، وأصرّت على التّفاوض تحت النّار، بدليل توسيع رقعة عدوانها على الجنوب وصولًا إلى الطّريق السّاحليّ وأطراف جبل لبنان. وفي المقابل، لم يجد لبنان بدًّا من الذّهاب إلى واشنطن، لا بوصفها منصّة سلام، بل محاولةً لوقف الانهيار ومنع تحويل الحرب إلى واقعٍ دائم.
وتقول مصادر رسميّة إنّ الموفد الرّئاسيّ إلى المفاوضات، السّفير السّابق سيمون كرم، سيطرح وقف إطلاق النّار كبندٍ أوّل، قبل الانتقال إلى ملفّ الانسحاب الإسرائيليّ. وإذا رفضت إسرائيل التعهّد الواضح بالانسحاب، فقد يصبح هذا البند تهديدًا مباشرًا لمسار المفاوضات كلّه.
تباينٌ عميق بين لبنان وواشنطن
المشكلة أنّ ما تحمله واشنطن لا يطابق، في العناوين العريضة، ما يحمله لبنان. فبيان الخارجيّة الأميركيّة تحدّث عن اجتماعٍ جديد بين حكومات الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل، لمتابعة المناقشات المتعلّقة بالتّوصّل إلى “اتّفاقٍ شاملٍ للسّلام والأمن”، على أن تركّز النّقاشات على ضمان سيادة لبنان واستقراره، ونزع سلاح “حزب الله” بالكامل، وإعادة الأسرى، وتعزيز إعادة الإعمار والتّنمية الاقتصاديّة.
هذه الصّياغة تكشف أنّ واشنطن لم تعد تنظر إلى الملفّ اللّبنانيّ، الإسرائيليّ بوصفه مجرّد ترتيباتٍ حدوديّة أو تطبيقٍ تقنيٍّ للقرار 1701، بل كمسارٍ سياسيٍّ متدرّج نحو تسويةٍ أوسع. والأخطر، من وجهة نظر لبنانيّة، أنّ البيان الأميركيّ يربط بين إعادة الإعمار والدّعم الاقتصاديّ وبين احتكار الدّولة للسّلاح، أي إنّ المعادلة المطروحة باتت واضحة: السّيادة مقابل نزع السّلاح، والمال مقابل سلطةٍ لبنانيّةٍ كاملة.
في المقابل، يصرّ الموقف اللّبنانيّ الرّسميّ على تقديم المفاوضات باعتبارها مسارًا أمنيًّا، سياديًّا، لا تطبيعًا سياسيًّا. وهذا ما عكسه تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أنّ الحديث عن لقاءاتٍ سياسيّةٍ عالية المستوى أو تطبيع لا يزال “مبكّرًا”.
وترفض بيروت، وفق المعطيات المتداولة، أيّ مطلبٍ لتوقيع اتّفاقيّة سلام مع إسرائيل، محدّدةً سقف التّفاوض بإمكان الوصول إلى اتّفاق هدنة، مع التّشديد على عدم الخروج عن سقف الموقف العربيّ. لذلك، تكمن الفجوة الأساسيّة في لغة الطّرفين: واشنطن تتحدّث عن “سلام”، ولبنان يتحدّث عن “وقف الاعتداءات وتثبيت السّيادة”.
زامير: لا مهمّة لنزع سلاح الحزب
وسط هذه التّعقيدات، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ، إيال زامير، خلال جلسةٍ مغلقة أمام لجنة الخارجيّة والأمن في الكنيست، إنّ مهمّة “نزع سلاح حزب الله” لم تُحدَّد للجيش الإسرائيليّ في إطار عمليّاته المتصاعدة في لبنان.
وأضاف، بحسب إذاعة الجيش الإسرائيليّ، أنّ المهمّات المحدّدة للجيش تشمل “منع تهديد الصّواريخ المضادّة للدّروع وعمليّات التّسلّل، وتهيئة الظّروف أمام الحكومة اللّبنانيّة لنزع سلاح حزب الله”. كما قال إنّ “الجبهة الشّماليّة لا تشهد وقفًا لإطلاق النّار”، بما يؤكّد أنّ إسرائيل ترى الهدنة غطاءً سياسيًّا لا قيدًا عسكريًّا.
سؤال “حزب الله” واليوم التّالي
لا تقتصر المخاطر على العدوان الإسرائيليّ. فثمّة خشيةٌ لبنانيّة متزايدة من استخدام الفتنة الدّاخليّة والانقسام الطّائفيّ وسلاح النّزوح كأدوات ضغطٍ في حال فشل المفاوضات. وقد أبلغ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون السّفير الأميركيّ ميشال عيسى رفضه لقاء بنيامين نتنياهو، مكتفيًا بلقاء الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، في محاولةٍ للحفاظ على التّوازن الدّاخليّ والاستفادة من الرّعاية الأميركيّة من دون دفع أثمانٍ داخليّةٍ كبرى.
لكنّ العقدة الحقيقيّة تبقى في اليوم التّالي. فالدّولة تستطيع أن تفاوض، لكنّها لا تستطيع فرض تسويةٍ مستقرّة إذا رفضها “حزب الله”. ومن هنا، لا يعود السؤال هل تبدأ المفاوضات، بل هل يقبل الحزب بنتائجها؟ وهل تسمح واشنطن بفصل لبنان عن الحرب الإيرانيّة الأوسع؟ أم إنّ الجنوب سيبقى ورقةً في صراعٍ إقليميٍّ أكبر؟
في الخلاصة، يدخل لبنان مفاوضات واشنطن بين نارين: نار إسرائيل الّتي تفاوض بالقصف، ونار الشّروط الأميركيّة الّتي تريد تحويل الأمن إلى تسويةٍ سياسيّةٍ شاملة. وبينهما، يقف بلدٌ منهكٌ يحاول إنقاذ سيادته من الاحتلال، واستقراره من الانفجار، ودولته من امتحان السّلاح الأصعب.
“المدن”




