أخبار محلية

نيويورك تايمز: كيف أحبط حزب الله وترامب الاستراتيجية الإسرائيلية في لبنان؟

في وقت كانت إسرائيل تعتقد أنها تتجه نحو حسم سريع في جنوب لبنان، بدأت أصوات إسرائيلية وأميركية تتحدث عن مأزق متصاعد فرضته مسيّرات حزب الله، التي نجحت في قلب جزء من المعادلة الميدانية وتحويل التوغل الإسرائيلي إلى مواجهة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

وبحسب تقرير للصحافي ديفيد هالفينغر في صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن التهديد الإسرائيلي بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت ثم التراجع عنه بعد ساعات لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل عكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية بين المطالب الداخلية بتوجيه ضربات قاسية إلى حزب الله والضغوط الأميركية الرامية إلى ضبط التصعيد في لبنان.

ويشير التقرير إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية قامت أساساً على السيطرة على أراضٍ داخل جنوب لبنان وإنشاء منطقة عازلة تدفع حزب الله إلى ما بعد مدى الصواريخ المضادة للدروع التي شكلت لسنوات تهديداً للمستوطنات الشمالية. إلا أن الجيش الإسرائيلي، بحسب التقرير، لم يكن مستعداً للاستخدام الواسع الذي اعتمده حزب الله للمسيّرات الانتحارية من نوع FPV المرتبطة بكابلات ألياف بصرية تمتد لمسافات طويلة ولا تتأثر بوسائل التشويش الإلكترونية التقليدية.

ورغم أن هذه المسيّرات لم تتسبب بخسائر بشرية بحجم الخسائر التي أوقعتها إسرائيل في صفوف حزب الله واللبنانيين خلال العمليات العسكرية، فإنها نجحت في استهداف جنود وقادة إسرائيليين بشكل متواصل داخل لبنان وداخل إسرائيل، في هجمات وثق الحزب جانباً منها عبر مقاطع فيديو نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. ولفت التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي أعلن مقتل جنديين وإصابة 10 آخرين في هجمات مماثلة خلال يوم واحد فقط.

ونقلت الصحيفة عن أورنا مزراحي، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي ورئيسة برنامج لبنان في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، قولها إن الجيش الإسرائيلي لم يتوقع أن تتحول المسيّرات إلى سلاح بهذا المستوى من الخطورة. وأضافت: “كانت هناك استراتيجية… لكن المسيّرات سببت ارتباكاً لأنها كانت مفاجأة. في إسرائيل كانوا ينظرون إليها على أنها لعبة”.

ويرى التقرير أن المسيّرات ليست التحدي الوحيد أمام إسرائيل، بل تضاف إليها معضلة سياسية داخلية تتمثل في كيفية طمأنة سكان الشمال وإبعاد تهديد حزب الله عنهم من دون الاصطدام بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ضغط خلال الأشهر الأخيرة لتقييد العمليات الإسرائيلية في لبنان، بما في ذلك منع استهداف بيروت بشكل فعلي.

ونقل التقرير عن المحلل مايكل كوبلوف من “منتدى السياسة الإسرائيلية” قوله إن ما يجري حالياً لا يبدو استراتيجية متكاملة بقدر ما هو “ضرورة سياسية تبحث عن استراتيجية”. وأشار إلى أن إسرائيل بدأت الحرب بشعارات تتحدث عن تغيير الواقع في لبنان “مرة واحدة وإلى الأبد”، لكنها تراجعت تدريجياً عن هذه الطموحات بعدما تبين أن تحقيقها قد يتطلب السيطرة على لبنان بأكمله.

كما لفتت الصحيفة إلى أن إسرائيل خففت من عملياتها أكثر منذ نيسان الماضي بعدما تحرك ترامب لإنهاء المواجهة مع إيران، وضغط على إسرائيل للحد من عملياتها ضد حزب الله في لبنان، وخصوصاً ما يتعلق باستهداف بيروت. ومنذ ذلك الحين، اكتفى الجيش الإسرائيلي إلى حد كبير بتوسيع المنطقة العازلة وملاحقة ما يقول إنها بنى عسكرية تابعة للحزب.

وحذر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد أساف أوريون من أن إسرائيل قد تكون بصدد تكرار أخطاء الماضي، مذكّراً بتجربة “الحزام الأمني” الذي أقامته إسرائيل بعد اجتياح عام 1982 واستمر 18 عاماً رغم الوعود الأولية بالانسحاب خلال 48 ساعة فقط. وقال إن البقاء العسكري الثابت داخل لبنان يمنح حزب الله ذريعة جديدة لتعزيز مفهوم “المقاومة”، كما يحول القوات الإسرائيلية إلى أهداف ثابتة يسهل استنزافها.

في المقابل، رأت شيرا إفرون، الباحثة في مؤسسة RAND، أن أي اتفاق أميركي – إيراني يتضمن وقفاً متبادلاً وحقيقياً لإطلاق النار في لبنان قد يكون أفضل لإسرائيل من واقع يضطر فيه الجنود الإسرائيليون إلى البقاء داخل منطقة عازلة معرضين للاستهداف المستمر، محذرة من خطر تحول الوجود العسكري الحالي إلى احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان.

ويخلص التقرير إلى أن الحرب التي بدأت على أساس إضعاف حزب الله وإبعاده عن الحدود دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على قدرات الحزب العسكرية، بل باتت مرتبطة أيضاً بالسؤال الذي لطالما رافق الحروب الإسرائيلية في لبنان: كيف يمكن تحقيق إنجاز أمني من دون الانزلاق مجدداً إلى استنزاف طويل داخل الأراضي اللبنانية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |