تقرير لـ”نيويورك تايمز”: “حرب الخزائن” تخنق حزب الله… والأموال الإيرانية لم تعد تكفي!

ترجمة “ليبانون ديبايت”
لم تعد المواجهة التي تخوضها إسرائيل والولايات المتحدة ضد حزب الله تقتصر على استهداف ترسانته العسكرية وقياداته، بل امتدت إلى شرايينه المالية، في حملة شملت ضرب مصارف وصرافين ومحطات وقود، بالتوازي مع ضغوط أميركية على بيروت لإغلاق مسارات الأموال وتشديد الرقابة على النظام المالي اللبناني، ما وضع الحزب أمام أشد ضائقة اقتصادية يواجهها منذ سنوات.
عندما بدأت إسرائيل حربها الجديدة ضد حزب الله في آذار الماضي، لم تكن مخازن الصواريخ أو مراكز القيادة تحت الأرض أول الأهداف التي حذّر الجيش الإسرائيلي من قصفها، بل المصارف. فقد دمّرت الطائرات الحربية الإسرائيلية أكثر من 12 فرعاً لمؤسسة “القرض الحسن”، التي تُعرَّف منذ سنوات بأنها بمثابة “المصرف” الفعلي للحزب. ولاحقاً، استهدفت إسرائيل صرافين قالت إنهم ساهموا في نقل الأموال الإيرانية إلى حزب الله، إضافة إلى محطات وقود كانت تدرّ عليه إيرادات.
وبحسب تقرير موسع نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، وشارك في إعداده الصحافي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” رونين بيرغمان، فإن الرسالة الإسرائيلية كانت واضحة: لم تعد تل أبيب تكتفي بضرب القدرات العسكرية للحزب، بل تسعى أيضاً إلى استهداف الأموال التي تتيح له دفع رواتب مقاتليه، وإعادة بناء بنيته التحتية، وتسديد التعويضات، وتشغيل شبكة الرعاية الاجتماعية الواسعة التي استند إليها طوال عقود في الحفاظ على التأييد داخل البيئة الشيعية في لبنان.
وتشكّل الغارات جزءاً من حملة أوسع تقودها إسرائيل والولايات المتحدة، وسط تعاون متزايد من الحكومة اللبنانية، بهدف سدّ قنوات تمويل حزب الله، ولا سيما تلك الآتية من إيران. واستناداً إلى وثائق اطّلعت عليها الصحيفة، ومحادثات مع مسؤولين لبنانيين وأميركيين وإسرائيليين وأشخاص من داخل الحزب، يواجه حزب الله حالياً أكبر ضغط مالي يتعرض له منذ سنوات.
لكن “نيويورك تايمز” شددت على أن المنظومة المالية للحزب شديدة السرية، ما يجعل من الصعب تحديد حجم الضرر الذي ألحقته الحملة بمجمل نشاطه. كما أثبت حزب الله وإيران في السابق قدرتهما على التكيّف مع الضغوط، واستعادة القدرات العسكرية، وابتكار مسارات جديدة لنقل الأموال، ما يعني أن المعركة لا تزال بعيدة عن الحسم.
وبدأت آثار الضائقة تظهر ميدانياً. فقد قال مسؤولون في حزب الله ومستفيدون من مساعداته إن رواتب عشرات الآلاف من مقاتليه لا تزال تُدفع في معظمها، إلا أن بعض الخدمات الاجتماعية تقلّصت بعدما اضطر الحزب إلى ترتيب نفقاته وفق الأولويات.
وتتفاقم المشكلة بسبب المنظومة التي بناها حزب الله في لبنان طوال عقود، والتي عُرفت بوصفها “دولة داخل الدولة”. فقد وفّرت الغذاء والسكن والرواتب لمؤيديه، وشغّلت مدارس ومستشفيات وشبكة اتصالات، وحققت إيرادات من محطات الوقود وشركات الأدوية، فيما راكم الحزب، بتمويل إيراني، ترسانة عسكرية فاقت في قوتها ترسانة الجيش اللبناني. وشكّلت هذه الشبكة الاجتماعية عنصراً أساسياً في نفوذه منذ تأسيسه عام 1982، وحوّلته مع مرور السنوات إلى “جوهرة التاج” في شبكة الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط.
غير أن الحزب بات مضطراً إلى توجيه مزيد من موارده نحو إعادة بناء قدراته العسكرية بعد الخسائر الكبيرة التي ألحقتها به الهجمات الإسرائيلية. وفي أيار، أقرّ المتحدث باسم الحزب يوسف الزين بأن حزب الله أوقف دفع التعويضات التي وعد بها مؤيديه ممن تضررت منازلهم أو دُمّرت، في وقت يحاول فيه التعامل مع احتياجات مئات الآلاف من النازحين جراء الحرب.
وبعد حرب عام 2024، أعلن حزب الله أن “القرض الحسن” سيدفع ما بين 12 ألفاً و14 ألف دولار لكل عائلة دُمّر منزلها. إلا أن هذه المدفوعات تأجلت مراراً قبل أن تتوقف بالكامل.
وقال الزين إن “حجم متطلبات الحرب والنزوح فرض أعباء كبيرة على حزب الله”، موضحاً أن الموارد تُدار حالياً “وفقاً للأولويات”. وإذ أصرّ على أن الحزب قادر على التعامل مع الضغوط، أقرّ في الوقت نفسه بأنه “لا شك في وجود ضغط”.
ونقلت الصحيفة عن حسن، وهو سائق سيارة أجرة من جنوب لبنان ومتزوجة ابنته من مقاتل في حزب الله قُتل خلال الحروب الأخيرة، أن ابنته لا تزال تتلقى المخصصات المالية الممنوحة لعائلات المقاتلين القتلى، إلا أن الحزب لم يعد يغطي بعض الإجراءات الطبية. أما هو، شأنه شأن آلاف المؤيدين الذين دُمّرت منازلهم، فلا يزال ينتظر التعويض الذي وُعد به. وقال: “إنهم يلتزمون الصمت التام”.
ووفق تقدير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية قبل الحرب، كانت إيران تحوّل إلى حزب الله نحو 700 مليون دولار سنوياً، وهو الجزء الأكبر من ميزانيته السنوية المقدرة بنحو مليار دولار. وقال مسؤولون لبنانيون وأميركيون وإسرائيليون إن طهران زادت مساعداتها المالية للحزب خلال السنة الماضية، إلا أن نفقات الحرب وإعادة الإعمار والعناية بمئات الآلاف من النازحين ارتفعت إلى حد باتت معه هذه المبالغ غير كافية لتغطية احتياجاته.
وتُعد الحرب التي بدأت في آذار الثانية خلال أقل من 3 سنوات بين إسرائيل وحزب الله، المصنف كإحدى أكثر الميليشيات تسليحاً في العالم. وفي المواجهة السابقة، التي بدأت أواخر عام 2023 بعد هجوم 7 تشرين الأول، اغتالت إسرائيل الأمين العام السابق للحزب حسن نصرالله إلى جانب عدد كبير من كبار قادته.
وبعد ذلك، رأت واشنطن وتل أبيب أن حزب الله بات في موقع ضعف. ووفق التقرير، نسّقت الدولتان جهودهما لضرب الشبكات المالية التي استند إليها نفوذ الحزب، بالتوازي مع زيادة الضغوط على الحكومة اللبنانية من أجل نزع سلاحه.
وتسارعت الحملة ضد مصادر تمويل حزب الله في أواخر عام 2024. فبعد وقت قصير من نجاح وقف لإطلاق النار بوساطة أميركية في إنهاء الحرب السابقة مع إسرائيل، سقط نظام بشار الأسد في سوريا، ما ترك الحزب معزولاً عن طهران أكثر من أي وقت مضى.
وعلى مدى سنوات، شكّلت سوريا الطريق البرية الرئيسية لنقل الأسلحة والأموال من إيران إلى لبنان. ومع انقطاع هذا المسار، اضطرت طهران إلى البحث سريعاً عن وسائل بديلة لتمويل حزب الله.
وبحسب مسؤول أميركي وآخر لبناني رفيع، كان مطار بيروت الدولي إحدى القنوات الأساسية، إذ زعما أنه خضع عملياً لسيطرة حزب الله طوال سنوات واستُخدم لنقل الأموال والأسلحة من إيران.
وفي مطلع السنة الماضية، نقل مسؤولون أميركيون إلى الحكومة اللبنانية تحذيراً إسرائيلياً مفاده أن إيران ترسل إلى حزب الله حقائب مليئة بالدولارات نقداً على متن رحلات مدنية متجهة إلى بيروت، وفي بعض الحالات بواسطة دبلوماسيين إيرانيين. وعقب التحذير، علّق لبنان جميع الرحلات الآتية من إيران، ولا يزال هذا الإجراء سارياً. كما أُبعد موظفون في المطار محسوبون على حزب الله عن وظائفهم، ونشرت السلطات عناصر أمنية تعمل بالتنسيق مع مسؤولين أميركيين.
وظهر تبدّل موازين القوى داخل لبنان أيضاً خلال زيارة رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى البلاد في آب الماضي. وقال رئيس الحكومة نواف سلام إنه نقل إليه رسالة حازمة: “كانت رسالتنا إلى الإيرانيين واضحة جداً. لا يمكننا السماح لهم بالتدخل في شؤوننا الداخلية”. وأضاف سلام أن هذا الكلام “لم يكن تماماً موسيقى تطرب آذانهم”.
وبعد أشهر، قُتل لاريجاني خلال عملية “زئير الأسد”، بحسب ما ورد في التقرير.
لاحقاً، حوّلت واشنطن اهتمامها إلى مصرف لبنان، الذي عمل لسنوات في ظل رقابة محدودة. ويعتمد الاقتصاد اللبناني إلى حد كبير على الأموال النقدية، فيما تقول وزارة الخزانة الأميركية إن حزب الله استغل هذه المنظومة لغسل أموال غير مشروعة ونقل الأموال من إيران.
وبحسب “نيويورك تايمز”، سعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أيضاً إلى التأثير في اختيار حاكم جديد لمصرف لبنان. وسرعان ما أظهر الحاكم الذي جرى تعيينه، كريم سعيد، استعداده للتحرك ضد حزب الله، إذ أقال مسؤولين أو صرفهم من وظائفهم للاشتباه بوجود علاقات بينهم وبين الحزب، وأمر بتفتيش مكتبه بحثاً عن أجهزة تنصت، كما رفض استخدام أجهزة الكمبيوتر التي قدمها له المصرف خشية تعرضه للمراقبة.
وفتح مصرف لبنان لاحقاً تحقيقاً مع أكبر شركات الخدمات المالية في البلاد، للاشتباه في استخدام حزب الله لها لنقل الأموال. ومنذ ذلك الحين، شددت السلطات اللبنانية رقابتها على التحويلات المالية.
وقال براين نيلسون، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية الذي تولى ملف العقوبات على حزب الله خلال إدارة الرئيس جو بايدن، إن الحزب “تمكّن بصورة متواصلة من توليد مبالغ مالية كبيرة عبر إساءة استخدام هذه الشبكات”.
في المقابل، نفى حزب الله الاتهامات، واعتبر مكتبه الإعلامي أن الادعاء القائل باستغلاله الاقتصاد النقدي في لبنان “كاذب ولا أساس له على الإطلاق”.
ومع خضوع شركات تحويل الأموال الكبرى لرقابة أكثر تشدداً، اعتمد الحزب بصورة متزايدة على شبكة من الصرافين الأقل خضوعاً للرقابة. ووفق مسؤول أمني إسرائيلي رفيع وشخص آخر مطّلع على النظام المالي للحزب، تحولت هذه الشبكة سريعاً إلى القناة الرئيسية التي تستخدمها إيران حالياً لتمويل حزب الله.
وتنتقل الأموال من إيران عبر الإمارات العربية المتحدة وتركيا والعراق، بواسطة نظام “الحوالة”، وهو آلية غير رسمية للتحويل بين الوسطاء لا تستوجب عبور الأموال النقدية نفسها للحدود.
وفي تشرين الثاني الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، في إطار عقوبات فرضتها على صرافين لبنانيين، أن إيران كانت قد حوّلت خلال تلك السنة نحو مليار دولار إلى حزب الله، معظمها بواسطة نظام “الحوالة”.
وأقرّ حسن مقلد، أحد الصرافين المشمولين بالعقوبات والذي وصفته الخزانة الأميركية بأنه “مستشار مالي رئيسي لحزب الله”، بأن الضغوط الدولية تجعل تحويل الأموال أكثر صعوبة، لكنه قال إن الحزب يتكيّف معها. وأضاف: “في بلد مثل لبنان، حيث توجد كميات كبيرة من الأموال النقدية، ستكون هناك خيارات دائماً”.
وفي الوقت نفسه، اضطر حزب الله إلى البحث عن مصادر إضافية للتمويل. وفي شباط، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن مسؤولين في “القرض الحسن” أنشأوا شبكة شركات لتجارة الذهب بهدف جمع الأموال النقدية.
وأظهرت دفاتر حسابات اطّلعت عليها “نيويورك تايمز”، إلى جانب تقديرات محللين يتابعون اقتصاد حزب الله النقدي، ارتفاع مبيعات الذهب خلال السنة الماضية. وقال مسؤولون إسرائيليون وأميركيون إن أحد أسباب ذلك يعود إلى تدمير الغارات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من احتياطات الحزب من العملات الأجنبية والذهب.
وفي موازاة ذلك، حظر لبنان على المصارف وشركات الوساطة المالية التعامل مع “القرض الحسن”، ما أبعد المؤسسة بصورة أكبر عن النظام المالي الرسمي. وتضغط إدارة ترمب حالياً على الحكومة اللبنانية لإغلاقها بالكامل.
واعتمد مئات الآلاف من اللبنانيين، وبينهم عدد كبير من مؤيدي حزب الله، على “القرض الحسن” طوال سنوات للحصول على قروض من دون فوائد، وتعويضات عن أضرار الحرب، وخدمات مالية أخرى. وتعرّف المؤسسة عن نفسها باعتبارها جمعية للقروض الخيرية وليست مصرفاً، فيما سبق لمديرها أن أكد أن أموال حزب الله نفسه تُدار بصورة منفصلة.
وعلى الرغم من كل هذه الضغوط، لا يستطيع أي مسؤول في واشنطن أو تل أبيب الجزم حتى الآن بأن الحملة نجحت في كسر النظام المالي لحزب الله. فقد أثبتت إيران والحزب قدرتهما على الالتفاف على العقوبات، واستبدال المسارات، وإنشاء قنوات جديدة لنقل الأموال.
لكن الصراع على التمويل تحوّل إلى جبهة قائمة بذاتها. ففي الوقت الذي تستحوذ فيه الحربان في غزة وإيران على الجزء الأكبر من الاهتمام، تحاول إسرائيل والولايات المتحدة، بعيداً عن الضجيج، ضرب أحد الأعمدة التي بُني عليها النفوذ الإيراني في المنطقة: القدرة على تمويل التنظيمات الحليفة لطهران.
وفي قلب هذه المواجهة يقف حزب الله، الذي عُدّ طوال عقود “جوهرة التاج” في شبكة الأذرع الإيرانية، لكنه يجد نفسه اليوم مضطراً إلى المفاضلة مراراً بين إعادة بناء ترسانته وتسديد فواتيره.



