الوقائع تردّ على الحملات… مَن سرق الودائع وغطّى خطط شطبها؟

قوانين أقرّت، ملفات فتحت وشرّحت وأحيلت الى القضاء، وأرقام خضعت للتدقيق بعد سنوات من بقائها خارج المساءلة. فمن يتضرر وينزعج، عندما تصبح الرقابة فعلية؟
سؤال يطرح في ضوء حملات قديمة – جديدة، تحاول القنص السياسي على رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان بين الحين والآخر.
فالرجل يبقى في حركة لا تهدأ، يتوزّع عمله اليومي بين متابعة مطالب المتن، والملفات الوطنية والنيابية. غير أن هذا الحضور، جعل منه “رقماً صعباً” وفق ما تظهره الدراسات الانتخابية، لمنافسيه قبل المقرّبين منه.
من هنا، “فالمتضررون” من الحضور الرقابي والتشريعي والإنمائي والخدماتي، ومن اقفال مزاريب الهدر، والنظر الى الدولة “كبقرة حالوب” للمحاسيب والأزلام، يلجأون الى “رصاص عشوائي”، من خلال منصات مستحدثة أو فيديوهات مجتزأة، أو مقالات موجّهة تفتقر الى الوقائع والحقيقة، وتدخل “شعبان في رمضان” بهدف التشويش والتشويه.
علماً أن الباحث الفعلي عن الرقابة والإصلاح ومعالجة أمور الناس، يمر بحثه حكماً بلجنة المال والموازنة، وعملها منذ العام 2010 من الحسابات المالية، الى السعي لإصلاح مشاريع الموازنات “العرجاء” الآتية من الحكومات المتعاقبة، الى التوظيف العشوائي المخالف للقانون… وليجد كذلك في الأسابيع الأخيرة ، ملفات تمس موظفي القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، من بينها منح ستة رواتب إضافية، وإنصاف عناصر الدفاع المدني، وما يعنى بتعاونية الموظفين والضمان الاجتماعي، وخبراء المحاسبة المجازين والممرضين والممرضات، ومتابعة الصندوق التقاعدي للطوبوغرافيين، وشبكة الألياف الضوئية، وتسوية أوضاع رتباء وأفراد الضابطة الجمركية، كما أقرت جعالة للمختارين بنسبة 5% من رسم الطابع المالي، وتصحيح رواتب بعض موظفي الفئة الثالثة في الجامعة اللبنانية…
تشريعات ومحاسبة… لا شعارات
منذ عام 2010، لم يقتصر عمل اللجنة على مناقشة الموازنات، فقد واكبت تشريعات ترتبط بالشفافية ومكافحة الفساد، من حق الوصول إلى المعلومات وحماية كاشفي الفساد، إلى التصريح عن الذمة المالية والإثراء غير المشروع، والتدقيق الجنائي واستعادة الأموال المتأتية من الفساد. وشملت الملفات أيضاً الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورفع السرية المصرفية عن القطاعين العام والخاص، وأصحاب ومساهمي المصارف، وإنشاء الصندوق السيادي للنفط والغاز، وقانون إصلاح المصارف وتعديلاته. وكلّها ملفات دسمة، تطلبت جهداً واسابيع واشهراً من العمل، في سياق العمل على مراعاة المتطلبات والمعايير الدولية، واستعادة الثقتين المحلية والخارجية بلبنان. والأكيد أن الاتهامات لا تختصرها، والحملات لا تمحوها.
تماماً على غرار التوظيف المخالف للقانون، والذي دققت به اللجنة على مدى 8 أشهر، بالتنسيق مع مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، لتحيل الملف الى ديوان المحاسبة، السلطة القضائية المعنية بإصدار القرارات. فهل هو ملف آخر من أسباب الحملات على كنعان؟
27.3 مليار دولار… السؤال الذي لم يُغلق
تبقى الحسابات المالية من أبرز الملفات التي فتحتها اللجنة. فمنذ عام 2010، تابعت إعادة تكوين حسابات الدولة عن الفترة الممتدة من 1993 إلى نهاية 2017. وأظهرت الأرقام التي برزت في هذا المسار، أكثر من 27.3 مليار دولار مجهولة المصير، إلى جانب ثغرات شملت الهبات وسلفات الخزينة والشيكات والحوالات. كل ذلك قبل سنوات من الانهيار المالي. ولو سمع المعنيون على المستويين الحكومي والنيابي والمؤسساتي جرس الإنذار هذا، لما وصلنا الى وصلنا إليه.
افلا تعني هذه الأرقام شيئاً للسائلين عن مصير الودائع؟ فالحسابات الضائعة مرتبطة ارتباطاً كلّياً بالهدر وتمويل عجز الدولة، وهو ما فضحته لجنة المال والموازنة، وحوّلت تقريرها في العام 2013 الى القضاء المالي. يضاف إليه التقرير حول 33 ألف وظيفة غير قانونية في القطاع العام. وهي ملفات برسم السائلين عن مصير الودائع.
كما أن اعتراض لجنة المال على الخطط الحكومية المتعاقبة منذ العام 2019، سوى لعدم شمولها استرداد الودائع. واللافت هنا، أن “الفريق نفسه” الذي قام على لجنة المال، عندما فضحت الهدر المالي وتمويل عجز الدولة من أموال الناس، قام عليها عند المطالبة باسترداد ودائع الناس. وهي شبكة نفسها شاركت وغطت سرقة أموال المودعين والمال العام، وتعمل اليوم، على تغطية الخطط التي تؤدي بشكل أو بآخر الى شطب دين الدولة الناس ودين البنوك للمودعين.
هذه الوقائع تضع الحملات أمام السؤال الآتي: هل الاستهداف المستمر مرتبط بفتح الملفات المحرّمة؟ فحين تقترب الرقابة من الهدر، والتوظيف المخالف، والمشاريع المتعثرة، والحسابات غير المدققة، يصبح السؤال عن المصالح التي تتضرر من الإصلاح مشروعاً، لا بل يصبح ضرورياً لمعرفة من يشوّش ويشوّه ويستميت لعدم كشف الحقائق و”سرقة العصر”.
الديار




