Featuredأخبار محلية

صناعة المونة أقرب الى فرصة ضائعة

تُشكّل الصناعات الغذائية المحلية إحدى الركائز التي يُمكن أن يستند إليها الاقتصاد اللبناني في مساعيه إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الإنتاج، ولا سيما في ظل التحديات التي تواجه القطاعات الإنتاجية وتراجع القدرة الشرائية في السوق المحلية. وفي هذا الإطار، تبرز المونة اللبنانية بوصفها منتجًا يحمل قيمة اقتصادية تتجاوز استهلاكه التقليدي، إذ تتيح إمكانية تحويل الإنتاج الزراعي إلى سلع مصنّعة ذات قيمة مضافة، بما يعزّز الاستفادة من المحاصيل المحلية ويحدّ من هدرها، ويوسّع دائرة المستفيدين من النشاط الزراعي والغذائي.

لا تقتصر أهمية تصدير المونة اللبنانية على زيادة حجم المبيعات، بل تمتد إلى فتح أسواق جديدة أمام المنتجين اللبنانيين، وتعزيز قدرتهم على الوصول إلى المستهلكين في الخارج، ولا سيما أبناء الجاليات اللبنانية والعربية الذين يشكّلون شريحة واعدة من الطلب على المنتجات الغذائية التقليدية. كما يتيح التصدير فرصًا لتوسيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار في التصنيع الغذائي والتعبئة والتغليف والتسويق، بما ينعكس إيجابًا على فرص العمل والدخل في المناطق الزراعية والريفية، ويسهم في تعزيز حضور المنتجات اللبنانية في الأسواق الخارجية.

غير أن الانتقال من الإنتاج المحلي إلى التصدير المنظّم يتطلب أكثر من جودة المنتج وتميّزه. فالمنافسة الخارجية تفرض الالتزام بمعايير سلامة الغذاء والجودة والمواصفات المطلوبة في الأسواق المستهدفة، إلى جانب تطوير أساليب التعبئة والتغليف، وتحسين القدرة الإنتاجية، وتأمين استمرارية التوريد، وبناء قنوات تسويقية فاعلة. كذلك، تبرز الحاجة إلى دعم المنتجين في استيفاء المتطلبات الإدارية والفنية واللوجستية للتصدير، بما يسمح بتحويل المونة اللبنانية من إنتاج موسمي أو محدود النطاق إلى نشاط اقتصادي قادر على النمو والاستمرار والمساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد.

وفي موازاة التحديات التي تواجه تسويق المونة اللبنانية وتوسيع حضورها في الأسواق، تبرز المبادرات المحلية كخطوة أساسية لدعم المنتجين والتعريف بإنتاجهم، وهو ما تسعى إليه منطقة حاصبيا من خلال توسيع نطاق المعارض المخصّصة للزيت والمونة البلدية.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس اتحاد بلديات الحاصباني ورئيس بلدية حاصبيا لبيب الحمرا عن “تنظيم معرض جديد في 31 تشرين الأول الجاري في منطقة حاصبيا، مخصّص للزيت والمونة البلدية”، موضحًا لـ “نداء الوطن”، أنه “سيكون أشمل وأوسع نطاقًا من المعرض الذي أُقيم في وقت سابق من الشهر نفسه، بما يتيح إبراز تنوّع الإنتاج المحلي وتوسيع دائرة المستفيدين من هذه المبادرات”.

ويأتي هذا التوجّه في إطار الجهود الرامية إلى دعم المنتجين المحليين، وتعزيز حضور منتجاتهم في الأسواق، وتوفير مساحة أوسع للتعريف بجودتها وتنوّعها، بما يمهّد لتطوير آليات تسويقها مستقبلا.

التصدير ممكن… لكن المبادرات لا تزال محدودة

وعن إمكانية تصدير المونة اللبنانية إلى الخارج، أوضح الحمرا أن “هناك مبادرات وأفكارًا ودراسات تتناول هذا الموضوع، إلا أن الخطوات المنفّذة لا تزال متواضعة، في ظل الظروف الراهنة والتحديات التي تفرضها الحرب وانعكاساتها على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية”.

ولفت إلى أن “بعض المنتجين بدأوا بالفعل العمل على تصدير منتجاتهم، في حين يسعى آخرون إلى تجاوز العقبات التي تحول دون توسيع نشاطهم، من خلال تنظيم أعمالهم واستكمال الإجراءات اللازمة لتصبح أنشطتهم متوافقة مع الأطر القانونية المعتمدة”.

وشدّد على أن “تطوير هذا المسار يستوجب مراعاة القوانين والأنظمة التي تحكم عمليات التصدير في كل بلد، إذ لا يقتصر الأمر على توافر المنتجات والرغبة في تسويقها خارجيًا، بل يتطلّب أيضًا استيفاء الشروط المطلوبة والالتزام بالإجراءات المعمول بها في الأسواق المستهدفة”.

تنسيق مع الوزارات لتنظيم القطاع

وفي موازاة هذه المبادرات، أكد الحمرا أن “حاصبيا تمتلك منتجات زراعية ومقوّمات إنتاجية يمكن الاستفادة منها في تطوير القطاع وتعزيز فرصه الاقتصادية”، مشيرًا إلى أن “البلدية تواصلت مع وزارة الزراعة، وتعمل على ترتيب اجتماعات مع وزارة الاقتصاد، بهدف وضع هذه الجهود على المسار الصحيح”.

ويهدف هذا التنسيق إلى تهيئة الظروف المناسبة أمام المنتجين، ومساعدتهم على تنظيم أعمالهم وتطويرها، بما يعزّز قدرتهم على تسويق منتجاتهم بصورة أوسع، ويفتح المجال أمام زيادة الصادرات مستقبلا.

وبذلك، لا تقتصر أهمية تصدير المونة اللبنانية على نقل المنتجات التقليدية إلى الأسواق الخارجية، بل تمتد إلى تحويل الإنتاج المحلي إلى فرصة اقتصادية أكثر استدامة، شرط تضافر جهود المنتجين والبلديات والجهات الرسمية لتذليل العقبات التنظيمية، ومواكبة متطلبات التصدير، وبناء مسار واضح يتيح للمنتجات اللبنانية الاستفادة من الفرص المتاحة خارجيًا.

إن توسيع تصدير المونة اللبنانية يمثّل فرصة اقتصادية تستحق الاستثمار، لما يحمله من إمكانات لدعم المزارعين والمنتجين المحليين، وتعزيز الصناعات الغذائية، وخلق مصادر دخل إضافية في مختلف المناطق اللبنانية. ولا تنحصر هذه الفرصة في منطقة بعينها، بل تشمل مختلف المناطق التي تمتلك منتجات تقليدية وخبرات متوارثة يمكن تطويرها وتحويلها إلى منتجات تنافسية تستجيب لمتطلبات الأسواق الخارجية.

لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تبقى مرتبطة بقدرة المنتجين على الانتقال من المبادرات الفردية والمحدودة إلى عمل منظّم يقوم على الجودة والتسويق والتعاون بين المنتجين، بدعم من الجهات المعنية والهيئات الاقتصادية. فالمطلوب ليس تصدير المونة فحسب، بل بناء قطاع غذائي محلي قادر على الوصول إلى أسواق جديدة، وتحقيق عائد اقتصادي مستدام، وتعزيز قيمة الإنتاج اللبناني، بما يرسّخ مكانته كمنتج قابل للمنافسة خارج الحدود.

نداء الوطن – رماح هاشم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
من نحن | اتصل بنا | سياسة الخصوصية |