203 آلاف موظف… ماذا يعني رفع سن التقاعد إلى 68 عاماً؟

كتبت المدن: لا تقتصر الإصلاحات في القطاع العام على سد نواقص الموظفين في ملاك الدولة وصرف فائض العاملين في بعض المؤسسات والإدارات، إنما يشمل الإصلاح كافة السبل التي تساهم في التخفيف من الأعباء المالية من جهة، والحفاظ على خبرات وكفاءة العاملين في القطاع العام من جهة أخرى.
من هنا يرى خبراء أن رفع سن التقاعد في القطاع العام من 64 إلى 68 عاماً لا يشكّل مجرد تمديد لسنوات الخدمة، بل يشكّل خياراً إصلاحياً يمكن أن يساهم في تخفيف الأعباء عن المالية العامة، والحدّ من كلفة الإحالات إلى التقاعد، والحفاظ على الخبرات الإدارية والفنية التي راكمتها مؤسسات الدولة على مدى عقود ويصعب تعويضها اليوم في ظل تدني رواتب القطاع العام.
العاملون والمتقاعدون بالأرقام
يبلغ مجموع العاملين والمتقاعدين في القطاع العام بحسب أرقام وزارة المالية ومجلس الخدمة المدنية لنهاية العام الفائت ومطلع العام الحالي 323808 أشخاص، منهم 120824 متقاعداً، ما يعني أن عدد العاملين الحاليين يبلغ 202984 شخصاً، أي نحو 203 آلاف عامل وموظف.
وفيما لو تم إقرار رفع سن التقاعد إلى 68 عاماً بصورة شاملة، بحيث يستفيد منه جميع العاملين في مختلف الأسلاك والفئات، فإن مفاعيل هذا التعديل لن تقتصر على الموظفين الذين اقتربوا من بلوغ سن الـ 64، بل ستشمل أيضاً العاملين الذين يبلغون اليوم 30 أو 40 أو 50 عاماً، باعتبار أن التعديل يغيّر السن القانونية لانتهاء الخدمة، ولا يشكّل تمديداً استثنائياً لفئة محددة.
الأعباء على المالية العامة
ولا شك أن رفع سن التقاعد والحدّ من الارتفاع المتسارع في أعداد المتقاعدين من شأنه تأجيل استحقاق معاشات التقاعد والتعويضات لعدد من السنوات، وهو ما يخفف بالتالي الضغط الفوري على الخزينة العامة. فإحالة الموظف إلى التقاعد لا تعني بالضرورة انتهاء الأعباء المالية المترتبة عليه، بل قد تؤدي إلى انتقالها من باب الرواتب والأجور إلى باب المعاشات التقاعدية أو تعويضات نهاية الخدمة، مع احتمال تحمّل الدولة أعباء إضافية في حال الحاجة إلى تعيين بديل عنه.
كما أن الإدارة العامة لا تعاني فقط نقص الموارد المالية، بل تواجه أيضاً استنزافاً متواصلاً لكوادرها البشرية نتيجة الإحالات إلى التقاعد والاستقالات والهجرة وتراجع القدرة على استقطاب الكفاءات الجديدة. وكانت “المدن” قد نشرت أكثر من تقرير عن النقص الفادح في الكوادر البشرية في بعض الإدارات العامة، لاسيما منها وزارة المال، بعد انفجار الأزمة المالية في العام 2019.
وأكثر من ذلك، فإن خسارة موظفين يتمتعون بخبرات طويلة في المجالات الإدارية والهندسية والمالية والتقنية والقانونية تشكّل خسارة مؤسساتية تتجاوز الكلفة المالية المباشرة في ظل محدودية التوظيف وصعوبة تعويض الاختصاصيين. من هنا يسمح رفع سن التقاعد بالاستفادة من هذه الخبرات لأربع سنوات إضافية، ويؤمّن استمرارية العمل وانتقال المعرفة إلى الأجيال الجديدة، بدلاً من خسارة الكفاءات في مرحلة لا تزال فيها قادرة على الإنتاج والعطاء.
إصلاح تدريجي
ولا يعتبر خبراء أن رفع سن التقاعد إلى 68 عاماً يشكّل عائقاً أمام توظيف الشباب، إنما يشكّل إحدى أدوات الإصلاح المالي والإداري، شرط أن يستند إلى دراسة اكتوارية ومالية تحدد أثره على الرواتب والمعاشات والتعويضات، وأن يترافق مع إصلاح نظام التقاعد وتحديث الإدارة العامة. فالمسألة لا تتعلق بمنح أربع سنوات إضافية لبعض الموظفين، بل بإعادة النظر في إدارة الموارد البشرية للدولة، وفي قدرتها على المحافظة على كفاءاتها وضبط التزاماتها المالية.
بالمحصّلة يرى البعض أن رفع سن التقاعد إلى 68 عاماً لمختلف الأسلاك والفئات سيطال المسار الوظيفي لنحو 203 آلاف عامل وموظف حالي، ويشكّل فرصة لتخفيف وتيرة الإحالات إلى التقاعد، وتأجيل جزء من الالتزامات المالية المترتبة عليها، والاستفادة من الخبرات المتراكمة داخل القطاع العام، لاسيما أن الدولة تعاني اليوم أزمة مالية ونقص في الكفاءات.




