حافلات على الكهرباء وبطاقات للطلاب… متى التمويل؟

خضر حسان – المدن
يبحث اللبنانيون في ظل تراجع القدرة الشرائية للرواتب والأجور، ووسط الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، عن سبل لتخفيف عبء كلفة النقل، لما لذلك من انعكاس على الحركة اليومية للناس وعلى الدورة الاقتصادية. وتسعى وزارة الأشغال العامة والنقل إلى تخفيف هذا العبء عن طريق تطوير مشروع النقل المشترك، من خلال زيادة عدد الحافلات وتوسيع شبكة الخطوط في مختلف المناطق، فضلاً عن اعتماد حافلات تعمل على الكهرباء التي سيتم تأمينها عبر الطاقة الشمسية.
على أنّ نجاح هذا المشروع لا يتوقف على تأمين الحافلات وتجهيز محطات الشحن فحسب، بل يرتبط بمجموعة واسعة من المعوّقات السياسية والاقتصادية والأمنية والإدارية والتقنية، فضلاً عن واقع الطرقات والبنية التحتية وطبيعة قطاع النقل في لبنان.
بين الواقع والمستقبل
خطة تطوير قطاع النقل تستند إلى أهداف مستقبلية قد تبدأ نتائجها الفعلية بالظهور بعد نحو 16 شهراً. على أنّ قطاع النقل المشترك في الوقت الحالي يقوم على نحو 60 حافلة تعمل على 11 خط نقل، وتستهدف نحو 8000 راكب يومياً. ولتطويره، تقوم الخطة المطروحة من وزارة الأشغال العامة والنقل على تكبير حجم أسطول الحافلات تدريجاً، وإدخال حافلات تعمل على الكهرباء، وتحسين كلفة النقل لتتناسب مع إمكانات جميع الفئات الاجتماعية.
وفي المرحلة الأولى التي تمتد إلى نحو 8 أشهر من الآن، سيشهد القطاع بعضاً من التطوير لزيادة عدد الحافلات وخطوط سيرها لتصل إلى 24 خطاً. وفي المرحلة الثانية، سيتم استقدام حافلات من الصين، ليصبح عدد الحافلات العاملة نحو 180 حافلة، تسير على 42 خط سير. لكن المرحلة الأولى تحتاج إلى دعم شهري بنحو 200 ألف دولار، تحقّق عبرها الدولة، ومن خلال مصلحة النقل المشترك، نحو 50 ألف دولار شهرياً. فيما تحتاج المرحلة الثانية إلى استثمارات بنحو 250 ألف دولار، تحصل الدولة بعدها على عائدات بنحو 100 ألف دولار شهرياً. على أنّ المرحلة الثالثة ستشهد دخول حافلات تعمل على الكهرباء التي ستؤمَّن عبر محطات الطاقة الشمسية، وهذه المرحلة تحتاج إلى استثمارات بنحو 16 مليون دولار، وتعطي للدولة نحو 150 ألف دولار شهرياً. ويتم حينها تشغيل 75 حافلة كهربائية تسير على 13 خطاً.
ومن المفترض أن يكون لدى الدولة بعد المرحلة الثالثة، نحو 235 حافلة، تستهدف نحو 4 ملايين نسمة يتوزّعون على خطوط سير تربط مختلف المناطق، منها المناطق المتضررة في الجنوب، بالإضافة إلى خط صيدا الذي يشهد حالياً توقّفاً لحافلات النقل المشترك، التي سيجري تشغيلها في المرحلة الأولى من المشروع. وكذلك سيتم في المرحلة الثانية تشغيل خطوط إلى بعلبك الهرمل، ومن شتورا إلى المصنع وراشيا والقرعون ومشغرة، فضلاً عن خط البقاع الغربي مرجعيون.
وفي السياق، أكّد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني خلال لقاء حول “تطوير النقل المشترك في لبنان” عقد أمس في السرايا الحكومي، أنّ أحد خطوط الحافلات سيكون من مطار بيروت إلى مطار رينيه معوّض في القليعات، وبالعكس. وسيضم الخط نحو 6 حافلات، تنطلق واحدة منها كل ساعة، وستكون كلفة الرحلة أعلى من كلفة الحافلات الأخرى، ومنها مثلاً حافلات خط بيروت – طرابلس. وستكون ضمن هذا المشروع، باقات بأسعار مدعومة مخصصة للطلاب والمسنّين. كما سيمكِّن نظام البطاقات الركّاب من اختيار شراء بطاقات يومية أو شهرية.
البحث عن التمويل
وبما أنّ المشروع يفترض خفض كلفة النقل على الركّاب، فهو بحاجة إلى تمويل كبير. وهنا يأتي دور الحكومة والجهات الدولية المانحة. ومن المفترض أن يكون القطاع في المرحلة الثالثة من المشروع قد بات مستقلاً مالياً، ويمكنه تأمين ما يحتاجه عبر الاستثمار الذاتي. وإلى حينه، يحتاج المشروع نحو 22 مليون دولار، تم تأمين 4 مليون منها، والباقي بانتظار الجهات الدولية.
وفي السياق، أكّد الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالإنابة ثائر شريدي، أنّ البرنامج “يلتزم بتقديم المساعدة الفنية للوزارة ومصلحة سكك الحديد والنقل المشترك بهدف تحقيق أقصى استفادة من أسطول الحافلات الحالي، وتحسين كفاءة تشغيله، والتخطيط المدروس لتوسيع الأسطول”. وتوجّه شريدي إلى الجهات المانحة والمؤسسات المالية الدولية بالقول إنّ “الاستثمار في النقل المشترك هو استثمار في تعافي لبنان. ففوائده تتجاوز إيرادات النقل لتشمل تخفيف الأعباء عن الأسر وتوسيع فرص العمل وتنشيط الحركة الاقتصادية والحد من الأثر البيئي”.
المعوّقات كثيرة
على ضوء النظرة الإيجابية، اعتبر رسامني في حديث لـ”المدن” أنّ قطاع النقل “ضرورة وطنية لكل لبنان، في ظل ما نعيشه من غلاء المعيشة والتضخّم وارتفاع أسعار البنزين والمازوت. وبالتالي فإنّ تطوير مشروع النقل المشترك هو حلّ شامل ومستدام”.
وفي الوقت عينه، رأى عضو الهيئات الاقتصادية جاك صرّاف أنّ تطوير النقل المشترك ينعكس إيجاباً على القطاعات الاقتصادية. وفي حديث لـ”المدن”، اعتبر صرّاف أنّ “المؤسسات تتحمّل كلفة النقل اليومية للعامل، وبوجود الحافلات تبدأ الأزمة بالحل، وتنخفض كلفة النقل. وهذه المبادرة لا تخدم فقط موظفي القطاع الخاص، وإنما أيضاً تصب في صالح موظفي الدولة”.
لكن في المقابل، من الضروري النظر إلى المشروع بوصفه خطة متكاملة لإعادة تنظيم النقل العام، وليس مجرد مبادرة لزيادة أعداد الحافلات وخطوط السير. فالنجاح يتطلب مؤسسات قادرة على الإدارة والتشغيل والصيانة، وتمويلاً مستداماً، وطرقات ملائمة وشبكة خطوط مترابطة تلبّي حاجات المواطنين في مختلف المناطق. ولذلك، يبرز الكثير من العوائق، منها عدم الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي يرتبط بتغيّر الوزراء وأولوياتهم في العمل وفقاً لظروف البلاد، والتي تنعكس على القدرة على تمويل المشاريع، فضلاً عن المعوّقات التي تفرضها التجاذبات السياسية داخل الوزارات والإدارات، وتحديات تشتّت الصلاحيات بين الجهات المعنية بالنقل والطاقة والمالية والأشغال العامة والبلديات وقوى الأمن، إضافة إلى مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك والشركات الخاصة التي تتولى تشغيل بعض الخدمات.
وإذا كانت الحكومة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أعلنا الاستعداد للدعم، إلاّ أنّ ما يحتاجه المشروع أكبر بكثير، الأمر الذي يضع علامات استفهام حول تأمين التمويل من الجهات الدولية، وضمان استدامته. وهذا بدوره سينعكس على تجهيز محطات الشحن بالطاقة الشمسية، ومعدات التشغيل وأعمال الصيانة. بالإضافة إلى عدم ضمان استدامة تأمين الرواتب للسائقين والفنّيين وتغطية كلفة الصيانة الدورية للحافلات وغير ذلك.
الوضع الأمني المتأزّم في لبنان، يطرح تحدياً إضافياً أمام المشروع وتطويره في مختلف المناطق. فلا تشمل المخاطر الحافلات فقط، وإنما تعرّض محطات الشحن إلى الاستهداف والتدمير.
في الوقت عينه، هناك تحدٍّ قديم – جديد، يتمثّل بتهالك الطرقات والاكتظاظ المروري، ما يجعل التنقّل بالحافلات على الطرقات بطيئاً مقارنة مع وسائل نقل أخرى، مثل سيارات الأجرة أو الباصات الصغيرة. مما يُفقِد حافلات النقل المشترك قدرتها على جذب الركاب الذين سيرون فيها وسيلة لهدر الوقت، خصوصاً لمن يلتزمون بدوامات عمل ودراسة محدّدة، في حين أنّ تهالك الطرقات يستدعي زيادة أعمال الصيانة للحافلات، ما يرفع كلفة تشغيلها.
نوسيع خطوط سير الحافلات يستدعي أيضاً بناء محطات توقّف أساسية في معظم المناطق، وتجهيزها بأرصفة مناسبة ومقاعد ومظلات وإنارة وما إلى ذلك من ترتيبات غير موجودة راهناً، وترتّب أكلافاً إضافية، ليس فقط لإنشائها، وإنما أيضاً لصيانتها الدورية.
ويضاف إلى ذلك غياب مراكز تبادل متكاملة في عدد من المناطق. فقد تصل الحافلة إلى مدخل مدينة أو منطقة مركزية، لكن الراكب يحتاج إلى وسيلة أخرى للوصول إلى الجامعة أو المستشفى أو مكان العمل. وإذا لم تتوافر وسائل نقل متصلة بالخط الرئيسي، فقد تبقى الرحلة غير عملية، حتى لو كانت كلفة الحافلة منخفضة. لذلك، فإن تطوير الشبكة يتطلب الربط بين الخطوط الجديدة ووسائل النقل الأخرى، وتنسيق مواعيد الرحلات، وتأمين محطات تبادل تسهّل الانتقال من وسيلة إلى أخرى.
كثيرة هي التحديات التي لا تلغي أهمية بناء شبكة نقل عام وتطويرها بما يخدم الأفراد والمؤسسات. لكنّ ذلك يحتاج إلى المال والاستقرار وإلى بناء ثقة بين الدولة والمواطن الذي ينتظر إطلاق الخدمة وديمومة وجودها بأسعار مناسبة ومواقيت تخدم حركته ومصالحه، وهو أمر لا يسهل تحقيقه في ظل الواقع الحالي.




