متري: لا تنفيذ بالقوة… وسيادة لبنان ليست موضع مساومة

أكد نائب رئيس الحكومة طارق متري أن الحكومة اللبنانية ماضية في قرارها تثبيت مفهوم الدولة ولن تتراجع عنه، مشددًا في الوقت نفسه على أن تنفيذ قراراتها بالقوة ليس خيارًا مطروحًا، حرصًا على عدم تعريض الوحدة الوطنية للخطر، في موقف يأتي وسط مرحلة دقيقة تتداخل فيها ملفات الجنوب وحصرية القرار الأمني والعسكري والعلاقة مع إيران ومستقبل «اليونيفيل» والتعاون القضائي مع سوريا.
وقال متري، في مقابلة مع «سكاي نيوز عربية»، إن «قرار حكومتنا تثبيت مفهوم الدولة ولن نتراجع عنه»، مضيفًا: «لا نرغب بتنفيذ قرارات حكومتنا بالقوة لعدم تعريض وحدتنا الوطنية للخطر».
وفي رسالة واضحة حيال التدخلات الخارجية، شدد متري على أن لبنان يعتبر «أي تدخلات إيرانية في شؤوننا اعتداءً على سيادة لبنان»، مؤكدًا أن بيروت تريد أن تفاوض عن نفسها حتى استعادة سيادتها بالكامل وتثبيت السلم الأهلي.
ورأى أن أي تسوية عامة في المنطقة تؤدي إلى وقف الحروب ستكون في مصلحة لبنان، في ظل ارتباط الوضع اللبناني بتطورات إقليمية أوسع، ولا سيما المواجهة مع إسرائيل والتوتر الأميركي – الإيراني ومسارات التسوية الجارية في المنطقة.
وفي ما يتعلق بالجنوب، شدد متري على أن «أهل الجنوب مواطنون لبنانيون ولهم حقوق أمام الدولة اللبنانية»، معتبرًا أن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب تشكل رسالة دعم واضحة للجيش اللبناني والقوى الأمنية، وتأكيدًا على حضور الدولة ومسؤوليتها تجاه مواطنيها في المناطق المتضررة.
وأكد أن الجيش اللبناني «يعرف تمامًا مسؤولياته الوطنية»، معربًا عن أمله في تحسن فرص حصول المؤسسة العسكرية على دعم دولي إضافي في المرحلة المقبلة.
وكشف متري أن الجيش اللبناني مستعد لتسلّم مرتفع علي الطاهر، أحد أبرز المواقع الاستراتيجية في محيط النبطية، والذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى نقطة شديدة الحساسية في المواجهة الميدانية في الجنوب.
ويحظى مرتفع علي الطاهر بأهمية عسكرية وجغرافية كبيرة بسبب إشرافه على مدينة النبطية ومناطق واسعة من إقليم التفاح ووادي الليطاني ومحاور عدة في الجنوب، ما يجعله نقطة مراقبة وسيطرة ميدانية بالغة الأهمية.
وتأتي الإشارة إلى استعداد الجيش لتسلّم المرتفع في ظل استمرار البحث في تنفيذ «اتفاق الإطار» الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل في 26 حزيران 2026، والذي يقوم في أحد جوانبه على اعتماد ما سُمّي «المناطق التجريبية»، بحيث تنسحب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة ويتولى الجيش اللبناني المسؤولية الكاملة فيها.
وكان تنفيذ هذا المسار قد واجه عقبات متكررة، إذ لم تفض الجولة السابعة من المفاوضات في روما مطلع آب إلى اتفاق على توسيع المناطق التي يشملها الانسحاب، بعدما تمسك لبنان بالانتقال إلى مناطق جديدة، في مقابل إصرار الجانب الإسرائيلي على استكمال إجراءات التحقق في المناطق الأولى قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى.
وفي هذا السياق، اتهم متري إسرائيل بأنها «غير مستعدة لإظهار حسن نية بشأن المفاوضات واتفاق الإطار»، في موقف يعكس الاعتراض اللبناني على استمرار العمليات والتفجيرات والتحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب بالتوازي مع المفاوضات.
كما كشف أن مجموعة من الدول أبدت استعدادها لمساعدة الجيش اللبناني عند دخوله المناطق التجريبية، لكنه أشار إلى أن إسرائيل تعترض على عدد كبير من الدول الراغبة في تقديم المساعدة للمؤسسة العسكرية اللبنانية في الجنوب.
ويشكّل دعم الجيش عنصرًا محوريًا في تنفيذ أي ترتيبات ميدانية جديدة، إذ ترتبط قدرة المؤسسة العسكرية على الانتشار وتثبيت وجودها في المناطق التي تخليها إسرائيل بالحصول على معدات وتمويل وقدرات لوجستية وتقنية، في وقت تؤكد فيه جهات دولية عدة أن دعم الجيش يبقى أساسًا لأي حل مستدام في الجنوب.
وفي ملف «اليونيفيل»، قال نائب رئيس الحكومة إن هناك «تصلبًا إسرائيليًا واضحًا» تجاه قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، مشددًا على أن بيروت لا تريد أن يبقى الجنوب من دون جهة دولية تتولى مراقبة التطورات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الدور الذي تؤديه «اليونيفيل» منذ عقود في جنوب لبنان، سواء لناحية مراقبة الوضع الميداني أو التنسيق مع الجيش اللبناني أو رفع التقارير حول الخروقات، ما يجعل مستقبل وجودها مرتبطًا مباشرة بأي صيغة أمنية جديدة يجري التفاوض عليها للمنطقة.
وكانت التطورات الأخيرة قد أعادت ملف مستقبل القوات الدولية إلى الواجهة، في ظل اتصالات لبنانية ودولية بشأن ترتيبات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي وآليات المراقبة التي يمكن اعتمادها لضمان عدم تحول المناطق التي يجري تسليمها إلى ساحات مواجهة جديدة.
وفي موازاة الملف الجنوبي، تناول متري العلاقة مع سوريا والملفات القضائية العالقة بين بيروت ودمشق، مؤكدًا أن قرار تسليم بعض الضباط السوريين إلى السلطات السورية هو «قرار قضائي وغير سياسي».
وجاء كلامه بعد خطوات قضائية لبنانية متصلة بتسليم مسؤولين سابقين من عهد بشار الأسد إلى دمشق، إذ وافقت السلطات اللبنانية مؤخرًا على تسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى بعد توقيفه والتحقيق معه، استنادًا إلى الاتفاق القضائي القائم بين البلدين.
كما أوضح متري أن الاتفاقية القضائية مع دمشق ستؤدي إلى إطلاق سراح عدد كبير من الموقوفين، في إطار مسار بدأ فعليًا منذ أشهر لمعالجة ملف السوريين الموجودين في السجون اللبنانية.
وكان لبنان وسوريا قد وقعا في 6 شباط 2026 اتفاقية لنقل المحكومين السوريين من لبنان إلى سوريا لاستكمال تنفيذ أحكامهم هناك، بعد أشهر من المفاوضات القانونية والقضائية بين البلدين، مع استمرار العمل على معالجة أوضاع فئات أخرى من الموقوفين.
ونُفذت لاحقًا دفعات من الاتفاق، بينها تسليم لبنان 137 سجينًا سوريًا إلى السلطات السورية، فيما بقيت ملفات أخرى قيد البحث بسبب اختلاف طبيعة الأحكام والوضع القانوني لكل موقوف.
وتطرق متري إلى إحدى أبرز العقد القانونية في عمليات التسليم، معتبرًا أن من حق لبنان التردد في تسليم أي موقوف قد يواجه حكمًا بالإعدام في بلده، بعد إلغاء لبنان العقوبة.
وكان مجلس النواب اللبناني قد أقر في 11 آب 2026 قانون إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبات السجن المؤبد، لينهي بذلك وقفًا فعليًا للتنفيذ استمر منذ عام 2004 وينقل لبنان إلى الإلغاء القانوني للعقوبة.
وتثير هذه المسألة إشكالية مباشرة في ملفات التسليم إلى دول لا تزال تطبق عقوبة الإعدام، إذ يمكن أن يطلب لبنان ضمانات قضائية بعدم تنفيذ هذه العقوبة بحق الأشخاص الذين يسلّمهم، بما ينسجم مع النظام القانوني الجديد الذي اعتمده.
وتجمع تصريحات متري بذلك بين أكثر من ملف سيادي وأمني وقضائي في لحظة واحدة: تثبيت سلطة الدولة من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، توسيع انتشار الجيش في الجنوب، الضغط من أجل انسحاب إسرائيل وتنفيذ اتفاق الإطار، الحفاظ على دور دولي عبر «اليونيفيل»، رفض التدخلات الإيرانية، وإعادة تنظيم العلاقة القضائية مع سوريا.
وتعكس هذه الملفات حجم التحدي أمام الحكومة، التي تحاول الانتقال من القرارات السياسية إلى تطبيقها على الأرض، وسط استمرار الوجود والعمليات الإسرائيلية في الجنوب، وحساسية الملف الداخلي، والحاجة إلى دعم دولي للجيش، بالتوازي مع إعادة بناء علاقات الدولة اللبنانية مع محيطها الإقليمي على أساس سيادتها ومؤسساتها.



