لماذا يتزايد عدد المسيحيين في إسرائيل رغم تراجعه في الشرق الأوسط؟

نداء الوطن – زياد البيطار
“نحمي ونبني” ليس مجرّد شعار، بل يُقدَّم كعنوان لهوّية شريحة من المسيحيين في إسرائيل، الذين يُشار إليهم بوصفهم جزءًا فاعلا من المجتمع من خلال الخدمة، والتعليم، والمشاركة المدنية. وفي وقت يشهد فيه الوجود المسيحي في الشرق الأوسط تراجعًا ملحوظًا نتيجة الهجرة والاضطرابات، تسجل إسرائيل استقرارًا نسبيًا ونموًا في عدد مواطنيها المسيحيين، وتعمل المؤسسات التعليمية التابعة للطوائف المسيحية ضمن نظام تعليمي عالمي أسهم في بروز أجيال متعاقبة من الخريجين ذوي التحصيل العلمي المرتفع.
يبلغ عدد سكان إسرائيل نحو 9.4 ملايين نسمة وفق تقديرات عام 2022، ويتوزعون عرقيًا إلى 73.5 % من اليهود (79.7 % منهم مولودون داخل البلاد)، و 21.1 % من العرب، و 5.4 % من فئات أخرى. وعلى المستوى الديني، تضمّ إسرائيل أربع ديانات رئيسية هي اليهودية والإسلام والمسيحية والدرزية. وتشير البيانات إلى أن اليهود يشكلون 73.5 % من السكان، مقابل 18.1 % من المسلمين، و 1.9 % من المسيحيين، و 1.6 % من الدروز، فيما تمثل فئات أخرى 4.9 %.
تُعدّ المسيحية ثالث أكبر ديانة في إسرائيل، حيث بلغ عدد المسيحيين نحو 185 ألف شخص بحلول نهاية عام 2022، أي ما يعادل 1.9 % من السكان، يتمركزون بشكل رئيسي في شمال البلاد. وتعترف إسرائيل بعشر كنائس مسيحية ضمن نظامها الطائفيّ، بما يتيح لها إدارة شؤون الأحوال الشخصية مثل الزواج والطلاق، وتؤكد المعطيات أن حرية ممارسة الشعائر الدينية مكفولة دون قيود على الطوائف المختلفة.
تشير المعطيات إلى تزايد حضور المسيحيين في المجتمع الإسرائيلي، سواء على المستوى المدني أو العسكري. فقد ارتفعت أعداد المجندين المسيحيين في الجيش الإسرائيلي ثلاثة أضعاف في عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، فيما يخدم مئات منهم بالفعل. ونُقل عن المقدم إيهاب شليان، أعلى ضابط مسيحي رتبة في الجيش عام 2021، قوله إن المسيحيين “في طليعة الدفاع عن إسرائيل إلى جانب اليهود والدروز”.
وعلى صعيد التعليم، تسجّل المدارس المسيحية نتائج متقدّمة، حيث بلغ معدّل التأهّل لشهادة الثانوية العامة بين طلابها 84 % في عام 2022، متجاوزًا المعدل العام، كما يحقق خريجو هذه المدارس أعلى الدرجات في الامتحانات الوطنية. وتُظهر البيانات أن أكثر من نصف المسيحيين في إسرائيل حاصلون على تعليم عالٍ، مع نسبة ملحوظة ممّن يحملون درجات أكاديمية متقدّمة.
تضمّ إسرائيل عددًا من مؤسسات التعليم العالي والمراكز الأكاديمية المتخصّصة في الدراسات المسيحية والكتابية، من أبرزها:
كلية القدس الجامعية(Jerusalem University College): تقع على جبل صهيون، وتقدّم برامج دراسات عليا في تاريخ الكتاب المقدس وجغرافيته.
كلية إسرائيل للكتاب المقدس (Israel College of the Bible): مؤسّسة متخصّصة في الدراسات الكتابية.
كلية الناصرة الإنجيلية (Nazareth Evangelical College): تقع في مدينة الناصرة.
جامعة الأراضي المقدسة (University of the Holy Land): مؤسسة أكاديمية تركز على الدراسات الكتابية.
المعهد اللاهوتي الإنجيلي في نتانيا (Netanya Evangelical Theological Seminary – NETS): يقع في الناصرة.
المدرسة الأنجليكانية الدولية في القدس (Anglican International School Jerusalem – AISJ): تقع في القدس.
المدارس المسيحية في القدس: يوجد نحو 15 مدرسة تخدم بشكل أساسي السكان المحليين، وغالبيتهم من العرب المسيحيين.
يتمتع المسيحيون في إسرائيل بحرية دينية تشمل العبادة والتبشير وإدارة المؤسسات الدينية والتعليمية، فضلا عن الاحتفال العلني بالشعائر. وينصّ قانون حماية الأماكن المقدسة لعام 1967 على تجريم تدنيس المواقع الدينية أو عرقلة الوصول إليها. رغم الإطار القانوني الذي يضمن الحرية الدينية، شهدت الفترة الأخيرة زيادة في الحوادث المعادية للمسيحيين، ومن بين هذه الحوادث توقيف جنديين على خلفية البصق على رئيس أساقفة أرمني وحجاج، وتخريب مركز ماروني خلال عيد الميلاد، وكتابة عبارات عنصرية على مبانٍ في الحي الأرمني، وقد فتحت السلطات الإسرائيلية تحقيقًا بجميع الحوادث وتمّت محاسبة الفاعلين.
في المقابل، يواجه المسيحيون في عدد من دول الشرق الأوسط تحدّيات كبيرة، تتراوح بين القيود القانونية وأعمال العنف، ففي اليمن، لم يتبق سوى بضعة آلاف من المسيحيين، ولا يمكنهم ممارسة شعائرهم علنًا، ويواجهون تهديدات بالعنف والاعتقال التعسّفي، وفي تركيا، أفادت بعض التقارير عن ترحيل مئات المسيحيين السلميين بذريعة “الأمن القومي”، وتفرض قيودًا على تدريب رجال الدين، وتضع عراقيل أمام بناء دور العبادة، كما تفتقر إلى حماية حقوق دفن البروتستانت، في حين تمّ تحويل آيا صوفيا وكنيسة خورا إلى مسجدين.
كما شهدت دول أخرى في المنطقة تدميرًا لمواقع مسيحية تاريخية، كما حدث في العراق وسوريا على يد تنظيم “داعش”، في إطار استهداف الوجود المسيحي، فيما لا يزال المسيحيون في سوريا يواجهون أعمال عنف، وفي مصر، تعرضت الكنائس القبطية لهجمات دامية.
نتنياهو يشيد بالجنود المسيحيين في الجيش الإسرائيلي
شارك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، مقطع فيديو جمعه بجنود مسيحيين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، وقال نتنياهو، خلال الفيديو الذي صُوّر في مكتبه: “أنا هنا في مكتب رئيس الوزراء مع مجموعة استثنائية من الشبان والشابات. هؤلاء جنود مسيحيون، رجالا ونساء، في جيش الدفاع الإسرائيلي. إنهم يشغلون جميع المواقع المهمة في جيشنا، ويقومون بعمل كبير”، مضيفًا، أن هذه الصورة “تتناقض تمامًا مع ما يُعرض في الخارج”، مشيرًا إلى أن إسرائيل “لا تدافع فقط عن حقوق المسيحيين في الشرق الأوسط، بل تضمّ أيضًا جنودًا مسيحيين يقاتلون دفاعًا عنها وعن المسيحيين في المنطقة”، ولفت إلى أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يشهد فيها المجتمع المسيحي “ازدهارًا ونموًا وتوسّعًا”.
تأتي هذه التصريحات في أعقاب سلسلة حوادث أثارت انتقادات، حيث اتُهم جنود من الجيش الإسرائيلي باستهداف بنى تحتية ومواقع ذات طابع مسيحي في جنوب لبنان، وكان أبرز هذه الحوادث تكسير صليب السيد المسيح في بلدة دبل، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنه فتح تحقيقًا في الواقعة، مشيرًا إلى أن قائد الفرقة قرّر إبعاد الجندي الذي حاول كسر الصليب والجندي الذي وثق الحادثة عن القتال، مع الحكم عليهما بالسجن لمدة 30 يومًا، كما أفيد بأن ستة جنود آخرين كانوا حاضرين أثناء الحادثة تم استدعاؤهم لجلسات تحقيق ستُعقد لاحقًا، على أن يتم اتخاذ قرارات إضافية بناءً على نتائجها.
وفي حادثة منفصلة، أعلن الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في مقطع فيديو أظهر جنودًا وهم يقومون بتدمير ألواح شمسية في بلدة دبل، مساء السبت، واستهدفت بنية تحتية مدنية تُستخدم من قبل مئات السكان الذين بقوا في منازلهم بإذن من الجيش الإسرائيلي، بحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية “كان”.
ومن جهة أخرى، قال رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، في كلمة ألقاها خلال مؤتمر لقيادة كبار ضباط الجيش، إن “الحوادث غير الأخلاقية التي شهدناها هي نتيجة فترة طويلة ومعقدة، لكنها لا تبررها”، مشددًا على أنه “يجب ألا نتنازل عن قيمنا، وأن تآكل المعايير قد يكون خطيرًا لا يقلّ عن التهديدات العملياتية”، متوجّهًا إلى الحاضرين بالقول: “هل هذا هو الجيش الذي تريدونه؟ هذا تمرّد على قيم الجيش الإسرائيلي”.
واعتبر زامير أن “ظاهرة النهب وتكسير الرموز الدينية، إن كانت موجودة، فهي مخزية وقد تلطّخ سمعة الجيش الإسرائيلي بأكمله وإذا وقعت مثل هذه الحوادث، فسنحقق فيها”.
إسرائيل تعيّن مبعوثًا خاصًا للعالم المسيحي
وفي السياق، عيّن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر الدبلوماسي جورج ديك في منصب مستحدث كمبعوث خاص إلى العالم المسيحي، في خطوة قالت الخارجية الإسرائيلية إنها تهدف إلى “تعميق علاقات إسرائيل مع المجتمعات المسيحية حول العالم”، وأكد ساعر أن “دولة إسرائيل تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع العالم المسيحي ومع أصدقائها المسيحيين في مختلف أنحاء العالم”، معربًا عن ثقته بأن ديك سيسهم في إعادة ترميم هذه العلاقات وتعزيزها.
ويُعدّ جورج ديك من الشخصيات الدبلوماسية البارزة، إذ شغل سابقًا منصب سفير إسرائيل لدى أذربيجان، وكان أول مسيحي يتولّى هذا المنصب في تاريخ البلاد. وينتمي ديك إلى المجتمع العربي المسيحي في يافا، ووفقًا لوزارة الخارجية، فإن والده يوسف ديك شغل منصب رئيس الطائفة الأرثوذكسية في يافا وإسرائيل، ما يعكس خلفية دينية واجتماعية مرتبطة بالمجتمع المسيحي المحلي.




