جابر: المساعدات المالية غير كافية والوعود كثيرة

خضر حسان – المدن
جولة جديدة من الحقد الإسرائيلي تصاعدت مجدداً. عمليات تدمير كامل لقرى الشريط الحدودي واستهدافات كبيرة للقرى الأقرب إلى نهر الليطاني وما بعده، أدّت إلى موجات أوسع من النزوح. ولبنان الغارق في نكباته السياسية والاقتصادية، غير قادر على تغطية الكلفة الاقتصادية والمالية للنزوح، في حين أنّ كلفة إعادة الإعمار باتت خيالية، فيما المجتمع المدني ومنظّماته الإغاثية، لا يضعون لبنان ضمن أولوياتهم، وهو الأمر الذي ينذر بتعاظم الكارثة الإنسانية خلال الحرب، وبمجهول يتعلّق بتمويل إعادة الإعمار.
الأزمة تتفاقم
لم تصمد الهدنة الهشّة التي استفاد منها بعض الجنوبيين للعودة إلى قراهم لتفقّد بيوتهم، إذ هجَّرَ القصف وتهديدات العدوّ لسكان القرى بإخلائها، الكثير ممّن عادوا جزئياً إلى بيوتهم من القرى غير الحدودية. ومع استمرار رحلة النزوح، تبقى الأوضاع الإنسانية للنازحين “هشّة”، وفق توصيف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي تنطلق في توصيفها من أنّ “نحو 3 ملايين شخص في لبنان بحاجةٍ إلى المساعدة قبل الأزمة، بمن فيهم اللاجئون والمجتمعات اللبنانية الهشة”، ما يعني أنّ الحرب التي عادت لتشتعل في 2 آذار الماضي، فاقمت الوضع الإنساني سوءاً، لا سيّما في ظل “ازدياد صعوبة وصول المساعدات الإنسانية”، بحسب تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، التابع للمفوضية (OCHA). ومع غياب أفق الحل القريب “يؤدي التصعيد الحالي إلى تزايد سريع في الاحتياجات الإنسانية في قطاعات متعددة، مما يؤثر على السكان النازحين والمجتمعات التي لا تزال في المناطق المتضررة من النزاع، والمجتمعات المضيفة التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين”.
نداء ووعود
تغيّرت الظروف كثيراً في لبنان والمنطقة والعالم مقارنة بين الفترة الراهنة ومرحلة العامين 2023 و2024. وعوض توجّه المساعدات الإنسانية المادية والعينية نحو لبنان، أصبح الشحّ عنوان المرحلة الحالية. على أنّ المقلق في الأمر، هو عدم الاستجابة الدولية للنداءات المتكرّرة.
ووفق ما يقوله وزير المالية ياسين جابر في حديث لـ”المدن”، لم تفلح النداءات في جذب التمويل اللازم لمواجهة تداعيات الحرب على المستوى الإنساني على الأقل. ووفق جابر “لا أحد يعطينا المال، رغم أنّنا طلبنا تحويل بعض القروض المقرّة للبنان، نحو تمويل الجانب الإنساني”.
والأصعب في هذا السياق، هو التضييق على المنظّمات الدولية التي تُعنى بالشؤون الإنسانية، وعلى رأسها منظّمات الأمم المتحدة. وبنظر جابر “أُقفِلَ الطريق على الأمم المتحدة ومنظّماتها وتُرِكَت بلا أموال. حتّى الاتحاد الأوروبي الذي نعتبره شريكاً للبنان، وَعَدَنا بالأموال”.
الوعود كثيرة، وفق جابر، لكن بلا تنفيذ. ويستفيد لبنان من اللقاءات والاجتماعات الدولية، على غرار اجتماعات الربيع في واشنطن، لطلب المساعدة من المجتمع الدولي “وخارج الاجتماعات نجلس مع ممثّلي الدول ونطلب المساعدات، لكن لا وجود لأي تدفّقات مالية”. وبالتوازي مع غياب المساعدات الدولية، فإنّ الظروف الحالية التي تمرّ بها دول الخليج على وقع الحرب الأميركية الإيرانية، تقلّص قدرتها على تمويل الاحتياجات الإنسانية في لبنان. علماً أنّ تداعيات هذه الحرب، تضغط على كل دول العالم. ويخلص جابر إلى أنّ “الظروف الحالية مختلفة جداً عمّا كانت عليه الفترة السابقة. فالعالم كلّه في أزمة والمعادلات معقّدة”.
نقص في مراكز النزوح
في غياب التمويل، تبقى مراكز النزوح هي الحلقة الأضعف التي تعاني التداعيات المباشرة لعدم توفّر التمويل الكافي لتغطية الاحتياجات الإنسانية. وهذا لا يلغي حاجة النازحين الذين يملكون القدرة المالية لاستئجار المنازل، فكلفة النزوح كبيرة.
وبالرغم مما تقدّمه الدولة والمنظّمات الإغاثية الدولية والمحلية، تبقى الفجوة هائلة بين الاحتياجات وما يصل من مساعدات. ووفق وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط “كانت موازنة عام 2026 تلحظ مالاً للإغاثة”، إلاّ أنّ حجم المتطلّبات كان هائلاً. في المقابل، فإنّ المساعدات الخارجية “لا تأتي كما نطلب”. وأشار البساط في مقابلة تلفزيونية، إلى أنّ “ما يصل اليوم من مساعدات لا يتخطّى 10 بالمئة ممّا كان يصل في عام 2024”. وأمام هذا الواقع، فإنّ التوقّعات تشير إلى كارثة كبيرة تختمر مع استمرار الحرب. ولذلك فإن “المتطلّبات مكلفة جداً”. وبحسب البساط، يحتاج لبنان “نحو 100 مليون دولار شهرياً”، في حين أنّ “البنية المالية للدولة في حالة حرجة، ونحاول تأمين الدعم من خلال الأمم المتحدة والجهات الخارجية”.
وبانتظار ارتفاع وتيرة تقديم الدعم، تقول مصادر في الهيئة العليا للإغاثة، لـِ “المدن”، إنّه “بنَينا على الجهد الذي بُذل في الحرب الماضية (2023-2024) وانطلقنا منه للعمل خلال هذه الحرب”. وتشير المصادر إلى أنّ “هناك تجاوباً من بعض الجهات التي ترسل المساعدات، ويتم توزيعها”. وفي حين تتحفّظ المصادر عن تقييم حجم المساعدات وما إذا كان ذلك كافياً أم لا، وتفضّل التركيز على الجهود المبذولة لتوزيع ما يصل، ينقل المسؤولون عن إدارة مراكز الإيواء، ما تشاهده العين وتسجّله السجلات، ليتم استخلاص النتائج بناءً على الواقع.
وعليه، يقول عدد من المسؤولين عن المدارس التي تستقبل النازحين من مختلف المناطق الجنوبية، خصوصاً في صور وصيداً، أنّ “النقص سيّد الموقف”. ويجمِع هؤلاء في حديث لـِ “المدن”، على أنّه في الجولة السابقة من الحرب، قبل وقف إطلاق النار “كانت المنظمات الدولية تقدّم المساعدات بشكل كبير، إلى جانب ما تقدّمة الجمعيات المحلية والمبادرات الفردية. لكن اليوم تغيب المنظمات الدولية بشكل يوحي بوجود قرار بعدم تقديم المساعدات”. واللافت للنظر أنّ “تراجع دعم المنظمات الدولية ترافق مع تراجع للمنظمات المحلية، ليقتصر الأمر على بعض المبادرات الفردية”. ومع ذلك “يُسَجَّل لليونيسف استمرارها بتقديم المساعدات، لكن بوتيرة أقل”.
بقرار أو عدمه، يدفع النازحون ثمن الحرب المستمرّة بجولاتها المتقطّعة. أمّا “المعادلات المعقّدة” التي يشير إليها وزير المالية، تعكس حقيقة أنّ المجتمع الدولي لا يرى في لبنان أولوية، خصوصاً وأنّ تداعيات الحرب الإيرانية الأميركية على الاقتصاد العالمي، تجعل من الملفّات الداخلية في كل دولة، أولوية قصوى بالنسبة للحكومات، الأمر الذي ينعكس على المساعدات التي ينتظرها لبنان، والتي تحتاج إلى أموال هائلة لا يفضّل حاملوها التفريط بها في بلد اختار – من وجهة نظر المجتمع الدولي – عدم إجراء الإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة، وانغمس في حرب غير محسوبة، وتالياً، من غير المجدي الاستمرار في إضاعة الأموال هناك، كما ضاعت الأموال التي دُفِعت لتعويم البلد بعد سلسلة نكبات اقتصادية ومالية.




