لبنان العالق في هرمز

مازن عبود- النهار
اتّبعت إيران استراتيجية “الدفاع الأمامي”. يُعتقد أنها أشعلت 7 أكتوبر، والمؤكد أنها أقحمت لبنان في الأتون. هدفها كان صرف الاهتمام عن مشروع قنبلتها النووية، فسعت إلى نقل الضغط بعيدا وتشتيت إسرائيل على جبهات متعددة لرفع كلفة استهداف منشآتها النووية. أتمّت ذلك في سياق دولي معقّد وتداخلت حسابات داخلية وخارجية للأطراف المعنية. ووفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اقتربت من “دولة عتبة نووية”. أضحت تمتلك يورانيوم مخصبا بـ60%، أما انتقالها إلى السلاح النووي فمسألة زمنٍ تقني (IAEA, 2024) سعت إلى تأمينه باستراتيجية ارتدّت عليها.
تحسن إدارة “الوقت الإستراتيجي” الذي خوّلها تكوين شبكة ضغط إقليمية، قابله خسارة أميركا لشبكة الحلفاء. هدف إيران التحوّل إلى كوريا شمالية ثانية، فيصير نظامها عصيّا على الإسقاط عسكريا والعزل بالكامل (Waltz, 2012)، بما يفتح باب إعادة إدماجها في الاقتصاد العالمي بشروط أفضل. بأذرعها أثبتت أنها تتقن تحويل الفوضى إلى مظلة ردع.
في المقابل، توظف أميركا الأزمة قبيل القمة الأميركية- الصينية، لتحويل صدمة العرض الطاقوي إلى أداة ضغط تفاوضي.
أضحت أميركا تتحكم في الممرات البحرية، وتحدد أسعار الطاقة، وتتحكم في الاقتصادات. أزمة هرمز جعلت الطاقة أداة مركزية في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي (Yergin, 2020).
لهرمز تأثيرات على أميركا، ولكن بمسارات متعارضة. فمن جهة، يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى ضغوط تضخمية تنتقل عبر آلية تمرير الأسعار (pass-through)، ما يرفع كلفة المعيشة والإنتاج ويضعف الطلب (Blanchard & Galí, 2007). ومن جهة أخرى، تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع الأسعار، ويتعزز موقع الولايات المتحدة مصدرا للطاقة وفاعلا جيوسياسيا رئيسيا.
وعليه، فإن ما جرى يمثل مفاضلة بين كلفة اقتصادية آنية ومكاسب استراتيجية متوسطة الأجل، مقابل تآكل محتمل في القوة الناعمة على المدى الطويل (Nye, 2004). من قال ان ليس للرئيس دونالد ترامب خطة ورؤية؟
أزمة مضيق هرمز كشفت قدرات تكيّف الدول، كافأت المملكة السعودية التي تمتلك خط ينبع، وألحقت خسائر بقطر والكويت والعراق، مع تأثيرات متفاوتة على الإمارات.
أما لبنان فغارق في أزمة وجودية. قُرى تُمحى ويُجرَف فيها كل حجر. فئة تتشرّد. أصبحت بلا مكانٍ وبلا زمانٍ وبلا ذكرٍ، تستوطن الخيم. فالحرب التي بدأها الحرس الثوري إِشغالٌ لإسرائيل أَصبحت ذودًا عن الأرض.
بيان السفارة الأميركية تحذيرٌ للرئيس العالق: إذا لم يذهب فسَتَنفجر، وإن ذهب فَستَنفجر. ما عاد ممكنا درء الانفجار، بل العين على ما سينتجه، وفي الانتظار سلام على البلد والاقتصاد!




