1.2 مليون دولار يومياً رسوم جمركية ضائعة

محمد وهبة – الاخبار
تبلغ قيمة ما يضيع يومياً على الخزينة اللبنانية من الرسوم الجمركية نحو 1.26 مليون دولار. يمثّل هذا الرقم الفرق بين الرسوم المجباة عن 19.5 مليار دولار استيراد في عام 2016، والرسوم المجباة عن 21 مليار دولار في 2025.
ففي عام 2016 بلغت قيمة الرسوم التي تلقتها الخزينة نحو 1.4 مليار دولار، أو ما يوازي 3.84 ملايين دولار يومياً، بينما بلغت قيمة الرسوم في عام 2025 نحو 945 مليون دولار أو ما يعادل 2.58 مليون دولار يومياً. سائر المقاربات التي تقدّمها الحكومة عن تطوّر الجباية والرسوم في سنوات الأزمة لا يمكن الاعتداد بها للقياس، إذ إنه من الطبيعي أن تزداد الجباية والرسوم في السنوات الأخيرة من الأزمة مقابل سنواتها الأولى وذلك يعود إلى التصحيح الذي يحصل في بنية حركة الاستيراد وارتباطها بسعر الدولار والقدرة الشرائية للمستهلك المحلّي.
في منتصف كانون الثاني الماضي، عقدت الحكومة جلسة خُصصت لدرس الوضع المالي. يومها، عرض وزير المال ياسين جابر، جدولاً يتضمن الإيرادات والنفقات التي حققتها الخزينة في الأشهر الـ11 الأولى من السنة الماضية، وفيه أن إيرادات الرسوم التجارية الخارجية بلغت 866 مليون دولار، أي بزيادة 35% عن سنة 2024. وبرّر جابر هذه الزيادة بالإصلاحات التي يقوم بها في الجمارك اللبنانية وفي الإدارات العامة المالية.
عملياً، تقدّر إيرادات رسوم التبادل الخارجي لكامل عام 2025 (تقسم الإيرادات على 11 شهراً ويضرب الناتج بـ 12 شهراً) بنحو 945 مليون دولار سنوياً، أو ما يعادل 2.58 مليون دولار يومياً. وبالمقارنة مع أرقام السنوات السابقة، يظهر أن قيمة الحاصلات من رسوم التجارة الخارجية في 2025 أدنى بنسبة 33% مما كانت عليه في عام 2016. ففي عام 2016، استورد لبنان بقيمة 19.5 مليار دولار وبلغت قيمة الرسوم المحصّلة على هذه الإيرادات نحو 1.4 مليار دولار، أي ما يعادل متوسط تحصيل يومي بقيمة 3.84 ملايين دولار.
وقد استمرّ هذا المسار في السنوات التالية حتى انفجار الأزمة. إذ بلغت قيمة الرسوم المحصّلة في 2017 نحو 1.43 مليار دولار، أي بمتوسط يومي بلغ 3.9 ملايين دولار، وفي 2018 بلغت قيمة الرسوم المحصّلة 1.34 مليار دولار بمتوسط يومي بلغ 3.67 ملايين دولار، وفي 2019 بلغت قيمة الرسوم 1.19 مليار دولار بمتوسط يومي بلغ 3.27 ملايين دولار.
هذا المسار من الحاصلات الجمركية يشير بوضوح إلى أن الرسوم المحصّلة من التجارة الخارجية كانت شبه مستقرّة باستثناء عام 2019 التي سُجّل في الأشهر الثلاثة الأخيرة منها توقف المصارف عن الدفع وعن تسديد الودائع، وتوقف مصرف لبنان عن بيع الدولارات في السوق إلا لسلع محدّدة (حصر سعر الدولار المدعوم بعدد من السلع الأساسية)، وانهيار في سعر الليرة مقابل الدولار بعد ثبات استمرّ لأكثر من 25 عاماً.
وبالتالي، كان طبيعياً أن يُسجّل تراجع في الاستيراد وفي الرسوم المحصّلة منه في السنوات التالية للأزمة التي وصفت بأنها الأوسع في العالم بانهيار مالي ومصرفي ونقدي في آن معاً.
فالاستيراد تراجع في 2020 إلى النصف تقريباً مسجّلاً 11.3 مليار دولار، وبلغت قيمة الرسوم المحصّلة 1289 مليار ليرة. فإذا احتُسبت هذه الرسوم على أساس سعر الصرف الثابت (1507.5 ليرات وسطياً لكل دولار)، يصبح مشكوكاً بصحّتها لأنها ستبلغ 855 مليون دولار، بينما هي توازي بحسب سعر الصرف السوقي المركّب الصادر عن البنك الدولي على أساس 3688 ليرة لكل دولار، يعني أن قيمة هذه الرسوم بلغت 38.9 مليون دولار وأنها توازي 0.25% من قيمة الاستيراد في 2020.
وهذا الخلل استمرّ في عام 2021، مع استمرار دعم عدد محدود من السلع مثل المحروقات والأدوات الطبية والطحين وسلّة من السلع الغذائية أيضاً، ومع تقلّبات شديدة الانحراف في سعر الصرف السوقي، لذا ازدادت قيمة الاستيراد قليلاً إلى 13.6 مليار دولار بينما بلغت قيمة الرسوم المحصّلة 1546 مليار ليرة أي ما يوازي 131.5 مليون دولار على أساس المتوسط المركّب الذي أعدّه البنك الدولي بقيمة 11755 ليرة مقابل الدولار الواحد.
هكذا يظهر بوضوح أن الرسوم المحصّلة على التجارة الخارجية (الرسوم الجمركية) تراجعت بنسبة 90% لتشكّل في 2021 9% مما كانت عليه في 2016. وسبب هذا التراجع يعود إلى إهمال تصحيح سعر الدولار الجمركي والعشوائية التي طرأت على تصحيحه ربطاً بالنفوذ التجاري أولاً ثم بحاجات المالية العامة ثانياً. فقد جرى رفع سعر الدولار الجمركي إلى 8000 ليرة لاستيراد السيارات حصراً، ثم إلى 15 ألف ليرة للسيارات أيضاً…
ثم بدأ تصحيح سعر الدولار الجمركي بما يتناغم أكثر مع دراسة الموازنة العامة لتصحيح الضرائب بشكل عام، وصولاً إلى تثبيته على سعر الصرف المعتمد لدى مصرف لبنان بقيمة وسطية تبلغ 89500 ليرة. لذا، ليس ممكناً أن تكون هذه السنوات معيارية لمقارنة الرسوم الجمركية، إذ لم يتم تثبيت سعر الصرف على السعر الأخير إلا في نهاية عام 2023، ولم يعتمد في الموازنة العامة إلا عندما أقرّت موازنة 2024. ثمة مؤشّر ثانٍ على وهم الزيادات الناتجة من الإصلاحات، وهو أن نسبة الرسوم من مجمل الإيرادات كانت تبلغ 7.3% في 2016، بينما تمثّل في 2025 ما نسبته 4.5%.
عملياً، هناك أكثر من 80% من السلع المستوردة التي تخضع لرسم جمركي بمعدل 5% أو أقلّ، بينما هناك 20% من السلع التي تخضع لرسم جمركي أعلى يصل في بعض الحالات إلى 70% وربما أكثر. وفي المحصّلة، فإن المؤشّر المعتمد لقياس معدل الرسم الجمركي نسبة إلى كل السلع التي تدخل إلى لبنان، كان بحدود 7%. لكن هذا المعدّل انخفض إلى 0.25% في 2020، وإلى 0.96% في 2021، ما يجعل المقارنة مع السنوات اللاحقة التي ظهر فيها تصحيح الرسم بالتناسب مع تصحيح سعر الصرف، خطوة غير منطقية.
أما الآن، ومع تثبيت سعر الصرف اعتباراً من مطلع 2024 (في منتصف 2023 ثبت السعر سوقياً واعتمد في الموازنة العامة التالية التي صدرت في 12 شباط 2024)، فإنه بات منطقياً إجراء مقارنة لنسب التحصيل مع قيم الاستيراد في سنوات التثبيت. في عام 2024، استورد لبنان بقيمة 16.9 مليار دولار وحقق رسوماً جمركية بقيمة 700 مليون دولار، أي إن نسبة الرسوم للاستيراد تبلغ 4.1%، وفي عام 2025 استورد لبنان بقيمة 21 مليار دولار وبلغت قيمة الرسوم 945 مليون دولار بمعدل نسبته 4.5%.
عملياً، تظهر حاصلات رسوم التجارة الخارجية تعافياً متواصلاً، لكنها لم تبلغ مستويات ما قبل الأزمة حين كانت تمثّل 7.3% من الاستيراد، ولم تسجّل قفزات كبيرة مثل تلك التي يمكن أن تنتج من «الإصلاحات»، بل يظهر أن تعافي الرسوم ما يزال بطيئاً جداً، بدليل أن الاستيراد قفز بقيمة 4.1 مليارات دولار في سنة واحدة متخطياً كل المستويات التي سجّلت في سنوات الذروة قبل الأزمة، بينما ارتفعت نسبة الرسوم إلى الاستيراد من 4.1% إلى 4.5% فقط.
إلى أين يأخذنا كل هذا الغوص في الأرقام؟ ثمة الكثير مما يمكن استنتاجه، لكن خلاصة أساسية واضحة للعيان، وهي أن تدنّي نسبة الرسوم إلى الاستيراد عن 7%، تعني أن هناك هدراً في التحصيل الجمركي مقارنة مع سنوات ما قبل الأزمة التي قيل فيها الكثير عن هدر بقيمة 4 مليارات و5 مليارات دولار. والآن، عدنا إلى مستوى الاستيراد نفسه، لكن الخزينة لا تستطيع تحقيق مستوى التحصيل نفسه، ما يعني أن الهدر اتّسع بدلاً من أن يُردم. الواضح من هذه الأرقام، أن 1.26 مليون دولار على الأقل، تضيع يومياً على الخزينة.




