مئوية لبنان الكبير بين فلسفة دستور 1926 وأزمات الكيان: قراءة في نشأة الدولة وتحولات العقد الوطني

داود رمال- اخبار اليوم
شكّل إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920 لحظة تأسيسية مفصلية في تاريخ المشرق العربي الحديث، ليس فقط لأنه نقل الكيان اللبناني من حدود المتصرفية الضيقة إلى جغرافيا سياسية أوسع، بل لأنه دشّن تجربة سياسية فريدة قامت على التعددية الدينية والثقافية ضمن إطار دستوري حديث مستوحى من النماذج الأوروبية، ولا سيما النموذج الفرنسي. غير أنّ هذا الإعلان بقي في حاجة إلى إطار قانوني – سياسي ينظم طبيعة السلطة والعلاقات بين الجماعات المكوّنة للدولة الناشئة، فجاء دستور عام 1926 ليؤسس عملياً للبنان الجمهوري ويمنح الكيان الوليد شرعيته المؤسساتية، واضعاً الأسس النظرية لما سُمّي لاحقاً “الديمقراطية التوافقية” قبل أن يتحول هذا النموذج نفسه إلى مصدر دائم للأزمات البنيوية.
لقد وُضع دستور 1926 في ظل الانتداب الفرنسي، وفي مرحلة كانت فيها النخب اللبنانية تحاول التوفيق بين مطلب بناء دولة حديثة وبين هواجس الطوائف والجماعات التي خشيت الذوبان داخل محيط عربي أوسع أو الوقوع تحت هيمنة داخلية متبادلة. لذلك جاء الدستور مزيجاً من المفاهيم الليبرالية الحديثة ومن الاعتبارات الطائفية التي فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي اللبناني. فهو من جهة نصّ على الحريات العامة والفصل بين السلطات والنظام البرلماني والحياة الديمقراطية، لكنه من جهة أخرى كرّس بصورة غير مباشرة منطق التوازن الطائفي عبر المادة 95 التي نصّت على التمثيل الطائفي المؤقت في الوظائف العامة، وهي مادة تحولت مع الزمن من إجراء انتقالي إلى قاعدة تأسيسية للنظام السياسي اللبناني.
تكمن أهمية دستور 1926 في أنه لم يكن فقط وثيقة قانونية لتنظيم السلطات، بل كان بمثابة عقد اجتماعي ضعيف بين مكوّنات متباينة في رؤيتها للبنان نفسه. فثمة من رأى في الكيان الجديد امتداداً لتاريخ جبل لبنان وخصوصيته الثقافية والسياسية، فيما اعتبره آخرون جزءاً من المجال العربي – السوري الأوسع. ومن هنا، فإن أزمة لبنان منذ التأسيس لم تكن فقط أزمة إدارة سلطة، بل أزمة تعريف هوية ودور ووظيفة. وقد انعكس هذا التناقض مباشرة على بنية النظام الدستوري، حيث بدا الدستور وكأنه يحاول الجمع بين نموذج الدولة المدنية الحديثة وبين نظام محاصصة طائفية يوزّع النفوذ وفق توازنات الجماعات لا وفق مبدأ المواطنة.
وعلى امتداد قرن تقريباً، تعرّض دستور 1926 لتعديلات وتحولات متكررة فرضتها الأزمات الداخلية والتدخلات الخارجية. ففي مرحلة الاستقلال عام 1943، نشأ “الميثاق الوطني” كاتفاق غير مكتوب أعاد تفسير الدستور على قاعدة الشراكة الإسلامية – المسيحية، فتم تثبيت توزيع الرئاسات الكبرى طائفياً: رئاسة الجمهورية للموارنة، رئاسة الحكومة للسنّة، ورئاسة مجلس النواب للشيعة. ومع أن هذا الترتيب ساهم مرحلياً في إنتاج نوع من الاستقرار، فإنه كرّس أيضاً مفهوم “الطوائف السياسية” باعتبارها الوحدات الفعلية للنظام، ما أدى تدريجياً إلى إضعاف فكرة الدولة المركزية الجامعة.
وفي مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، جاء اتفاق الطائف عام 1989 ليعيد صياغة النظام الدستوري من جديد، فنقل جزءاً كبيراً من صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وأعاد توزيع التوازنات الداخلية بما يتناسب مع التحولات الديموغرافية والسياسية. إلا أن الطائف، رغم إنهائه الحرب، لم ينجح في إلغاء الطائفية السياسية كما نصّ الدستور المعدّل، بل أسهم عملياً في إنتاج نظام أكثر تعقيداً يقوم على تقاسم النفوذ بين الزعامات الطائفية تحت سقف الدولة، ما جعل المؤسسات الدستورية عرضة دائمة للتعطيل والفراغات المتكررة.
إن قراءة مئوية لبنان الكبير من زاوية دستور 1926 تفرض التوقف عند الإشكالية الجوهرية التي رافقت التجربة اللبنانية: هل نجح الدستور في بناء دولة وطنية حديثة أم أنه اكتفى بتنظيم التوازنات بين الطوائف؟ فالواقع التاريخي يُظهر أن الدستور اللبناني امتلك منذ البداية بعدين متناقضين؛ الأول حداثي ليبرالي يتحدث عن المساواة والحقوق والمؤسسات، والثاني طائفي توافقي يربط السلطة بالانتماء الجماعي. ومع مرور الزمن، تغلّب البعد الثاني على الأول، فتحولت الدولة إلى ساحة تسويات بين مراكز القوى الطائفية، فيما تراجع مفهوم المواطن الفرد لمصلحة الزعيم والطائفة والشبكات الزبائنية.
كما أن مئوية لبنان الكبير تكشف أن أزمة الدولة اللبنانية ليست منفصلة عن موقع لبنان الجيوسياسي في المنطقة. فمنذ التأسيس، ارتبط الكيان اللبناني بصراعات المحاور الإقليمية والدولية، وتحوّل نظامه الداخلي إلى مرآة للتوازنات الخارجية. وقد أدى ذلك إلى إضعاف سيادة الدولة وإلى جعل الاستقرار الداخلي رهينة تفاهمات إقليمية غالباً ما تتجاوز المؤسسات الدستورية نفسها. ومن هنا، فإن تعطيل الانتخابات الرئاسية أو شلل الحكومات أو الانقسامات حول السياسة الخارجية ليست أزمات ظرفية، بل تعبير عن خلل بنيوي في طبيعة النظام الذي وُلد مع دستور 1926 وتطور عبر تسويات متعاقبة.
ومع دخول لبنان مئويته الثانية، تبدو الأسئلة التي طُرحت عند التأسيس أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالأزمة الاقتصادية والانهيار المالي وتراجع الثقة بالمؤسسات والهجرة الواسعة للنخب والشباب أعادت طرح مسألة صلاحية النموذج اللبناني برمّته. كما أن تصاعد الدعوات إلى الدولة المدنية أو إلى الفيدرالية أو إلى إعادة النظر في اتفاق الطائف يعكس حجم المأزق الذي يواجهه النظام الدستوري الحالي.
غير أن التجربة اللبنانية، رغم أزماتها العميقة، ما زالت تحمل خصوصية سياسية وفكرية في محيط مضطرب، إذ استطاع لبنان، ولو بصعوبة، الحفاظ على مساحة من التعددية السياسية والثقافية والإعلامية لا تزال نادرة في المنطقة. وهذا ما يجعل النقاش حول مئوية لبنان الكبير يتجاوز البعد الاحتفالي أو التاريخي، ليصبح نقاشاً حول مستقبل الدولة نفسها: هل يبقى لبنان أسير الصيغة الطائفية التي أنتجها دستور 1926، أم يتمكن من الانتقال إلى عقد وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة والمؤسسات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بقدرة اللبنانيين على إعادة قراءة تاريخهم الدستوري بعيداً من الروايات الطائفية المتقابلة، وفهم أن أزمة لبنان ليست فقط في النصوص، بل في الثقافة السياسية التي حوّلت الدستور من إطار لبناء الدولة إلى أداة لتقاسم السلطة.
ولذلك، فإن مئوية لبنان الكبير لا تمثل نهاية قرن من التاريخ فحسب، بل لحظة مراجعة شاملة لمعنى الكيان والدولة والهوية، ولمستقبل الجمهورية اللبنانية في القرن الثاني من عمرها.




